و قد اقتسمت الطبقة المحكومة أيضا على حسب قوتها في السطوة والجدة فيما بينهم نظير الاقتسام الأول والناس على دين ملوكهم إلى طبقتي الأغنياء المترفين والضعفاء والعجزة والعبيد ، وكذا إلى رب البيت ومربوبيه من النساء والأولاد ، وكذا إلى الرجال المالكين لحرية الإرادة والعمل في جميع شئون الحياة والنساء المحرومات من جميع ذلك التابعات للرجال محضا الخادمات لهم في ما أرادوه منهن من غير استقلال ولو يسيرا.
وجوامع هذه الحقائق التاريخية ظاهرة من قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون:"آل عمران: 64"وقد أدرجها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابه إلى هرقل عظيم الروم ، وقد قيل إنه كتب بها أيضا إلى عظيم مصر وعظيم الحبشة وملك الفرس وإلى نجران.
وكذا قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم:"الحجرات: 13"، وقوله في ما وصى به التزوج بالإماء والفتيات: بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن:"النساء: 25 ، وقوله في النساء: إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض:"آل عمران: 195"، إلى غير ذلك من الآيات."
وأما غير أهل الكتاب وهم يومئذ الوثنية ومن يلحق بهم فقد كان الوضع فيهم أردأ وأشأم من وضع أهل الكتاب ، والآيات النازلة في الاحتجاج عليهم تكشف عن خيبة سعيهم وخسران صفقتهم في جميع شئون الحياة وضروب السعادة ، قال تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء:"الأنبياء: 109"، وقال تعالى: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ:"الأنعام: 19".
كيف ظهرت الدعوة الإسلامية؟
كان وضع المجتمع الإنساني يومئذ عهد الجاهلية ما سمعته من إكباب الناس على الباطل وسلطة الفساد والظلم عليهم في جميع شئون الحياة ، وهو ذا دين التوحيد وهو الدين الحق يريد أن يؤمر الحق ويوليه عليهم تولية مطلقة ، ويطهر قلوبهم من ألواث الشرك ، ويزكي أعمالهم ويصلح مجتمعهم بعد ما تعرق الفساد في جذوره وأغصانه وباطنه وظاهره.
وبالجملة يريد الله ليهديهم إلى الحق الصريح ، وما يريد ليجعل عليهم من حرج ولكن يريد ليطهرهم وليتم نعمته عليهم ، فما هم عليه من الباطل وما يريد منهم كلمة الحق في نقطتين متقابلتين وقطبين متخالفين ، فهل كان يجب أن يستمال منهم البعض ويصلح بهم الباقين من أهل الباطل ، ثم بالبعض البعض حرصا على ظهور الحق مهما كان وبأي وسيلة تيسر كما قيل: إن أهمية الغاية تبيح المقدمة ولو كانت محظورة ، وهذا هو السلوك السياسي الذي يستعمله أهل السياسة.
وهذا النحو من السلوك إلى الغرض قلما يتخلف عن الإيصال إلى المقاصد في أي باب جرى غير أنه لا يجري في باب الحق الصريح وهو الذي تؤمه الدعوة الإسلامية فإن الغاية وليدة مقدماتها ووسائلها وكيف يمكن أن يلد الباطل حقا وينتج السقيم صحيحا والوليد مجموعة مأخوذة من اللذين يلدانه؟.
وبغية السياسة وهواها أن تبلغ السلطة والسيطرة ، وتحوز السبق والتصدر والتعين والتمتع بأي نحو اتفق ، وعلى أي وصف من أوصاف الخير والشر والحق والباطل انطبق ، ولا هوى لها في الحق ، ولكن الدعوة الحقة لا تبتغي إلا الغرض الحق ، ولو توسلت إليه بباطل لكان ذلك منها إمضاء وإنفاذا للباطل فتصير دعوة باطلة لا دعوة حقة.
ولهذه الحقيقة ظهورات بارزة في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والطاهرين من آله (عليه السلام) .