فهرس الكتاب

الصفحة 741 من 4314

و بذلك أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) ربه ونزل به القرآن في مواطن راودوه فيها للمساهلة أو المداهنة ولو يسيرا في أمر الدين ، قال تعالى: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين:"سورة الكافرون: 61"وقال تعالى وفيه لحن التهديد. ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات:"الإسراء: 75"وقال تعالى: وما كنت متخذ المضلين عضدا:"الكهف: 51"وقال تعالى - وهو مثل وسيع المعنى -: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا:"الأعراف: 58".

وإذا كان الحق لا يمازج الباطل ولا يلتئم به فقد أمره الله سبحانه حينما أعبأه ثقل الدعوة بالرفق والتدرج في أمرها بالنظر إلى نفس الدعوة والمدعو والمدعو إليه من ثلاث جهات.

الأولى: من جهة ما اشتمل عليه الدين من المعارف الحقة والقوانين المشرعة التي من شأنها إصلاح شئون المجتمع الإنساني ، وقطع منابت الفساد فإن من الصعب المستصعب تبديل عقائد الناس ولا سيما إذا كانت ناشبة في الأخلاق والأعمال وقد استقرت عليها العادات ، ودارت عليها القرون ، وسارت عليها الأسلاف ، ونشأت عليها الأخلاف ولا سيما إذا عمت كلمة الدين ودعوته جميع شئون الحياة ، واستوعبت جميع الحركات الإنسانية وسكناتها في ظاهرها وباطنها في جميع أزمنتها ولجميع أشخاصها وأفرادها ومجتمعاتها من غير استثناء كما أنه شأن الإسلام فإن ذلك مما يدهش الفكرة تصوره أو هو محال عادي.

وصعوبة هذا الأمر ومشقته في الأعمال أزيد منها في الاعتقادات فإن استيناس الإنسان واعتياده ومساسه بالعمل أقدم منه بالاعتقاد ، وهو أظهر لحسه وآثر عند شهواته وأهوائه ، ولذلك أظهرت الدعوة الاعتقادات الحقة في أول أمرها جملة لكن القوانين والشرائع الإلهية ظهرت بالتدريج حكما فحكما.

وبالجملة تدرجت الدعوة في إلقاء مضمراتها إلى الناس لئلا يشمس عن تلقيها الطباع ولا تتزلزل النفوس في نضد بعض أجزاء الدعوة على بعض ، وهذا الذي ذكرناه ظاهر للمتدبر الباحث في هذه الحقائق فإنه يجد الآيات القرآنية مختلفة في إلقاء المعارف الإلهية والقوانين المشرعة في مكيتها ومدنيتها.

الآيات المكية تدعو إلى كليات أجمل فيها القول ، والمدنية - ونعني بها ما نزلت بعد الهجرة أينما نزلت - تفصل القول وتأتي بالتفاصيل من الأحكام التي سبقت في المكية كلياتها ومجملاتها ، قال تعالى: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى أ رأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أ رأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أ رأيت إن كذب وتولى أ لم يعلم بأن الله يرى:"العلق: 14"والآيات نازلة في أول الرسالة بعد النبوة على ما مرت إليه الإشارة في آيات الصوم من الجزء الثاني ، وفيها إجمال التوحيد والمعاد ، وإجمال أمر التقوى والعبادة.

وقال تعالى: يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر:"المدثر: 3"وهي أيضا من الآيات النازلة في أول البعثة ، وقال تعالى: ونفس وما سويها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكيها وقد خاب من دسيها:"الشمس: 10"، وقال تعالى: قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى:"الأعلى: 15"وقوله تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة وهم بالآخرة هم كافرون إن الذين آمنوا وعلموا الصالحات لهم أجر غير ممنون:"حم السجدة: 8"وهذه الآيات أيضا من الآيات النازلة في أوائل البعثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت