ففي جميع هذه الموارد وأشباهها تدرجت الدعوة في إظهار الأحكام وإجرائها أخذا بالإرفاق لحكمة الحفظ لسهولة التحميل وحسن التلقي بالقبول ، قال تعالى: وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا:"الإسراء: 106"ولو كان القرآن نزل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) دفعة واحدة ثم بين الرسول تفاصيل شرائعه على ما يوظفه عليه قوله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم:"النحل: 44"، فأتى ببيان جميع معارفه الاعتقادية والأخلاقية وكليات الأحكام العبادية والقوانين الجارية في المعاملات والسياسات وهكذا لم تستطع الأفهام عندئذ تصورها وحملها فضلا عن قبول الناس لها وعملهم بها وحكومتها على قلوبهم في إرادتها ، وعلى جوارحهم وأبدانهم في فعلها فتنزيله على مكث هو الذي هيأ للدين إمكان القبول والوقوع في القلوب وقال تعالى: وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا:"الفرقان: 32"وفي الآية دلالة على أنه سبحانه كان يرفق برسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في إنزال القرآن نجوما كما أرفق بأمته فتدبر في ذلك وتأمله وفي ذيل الآية قوله: ورتلناه ترتيلا.
ومن الواجب أن يتذكر أن السلوك من الإجمال إلى التفصيل والتدرج في إلقاء الأحكام إلى الناس من باب الإرفاق وحسن التربية ورعاية المصلحة غير المداهنة والمساهلة وهو ظاهر.
الثانية: السلوك التدريجي من حيث انتخاب المدعوين وأخذ الترتيب فيهم فمن المعلوم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مبعوثا إلى كافة البشر من غير اختصاص دعوته بقوم دون قوم ، ولا بمكان دون مكان ، ولا بزمان دون زمان ومرجع الأخيرين إلى الأول في الحقيقة البتة قال تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض:"الأعراف: 158"وقال تعالى: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ:"الأنعام: 19"وقال تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين:"الأنبياء: 107". على أن التاريخ يحكي دعوته (صلى الله عليه وآله وسلم) اليهود وهم من بني إسرائيل ، والروم والعجم والحبشة ومصر وليسوا من العرب ، وقد آمن به من المشاهير سلمان وهو من العجم ومؤذنه بلال وهو من الحبشة وصهيب وهو من الروم ، فعموم نبوته (صلى الله عليه وآله وسلم) في زمانه لا ريب فيه ، والآيات السابقة تشمل بعمومها الأزمان والأمكنة أيضا.
على أن قوله تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد:"حم السجدة: 42"وقوله تعالى: ولكن رسول الله وخاتم النبيين:"الأحزاب: 40"تدلان على عموم النبوة وشمولها للأمكنة والأزمنة أيضا ، والبحث التفصيلي عن هذه الآيات يطلب من تفسيرها في مواردها.
وكيف كان فالنبوة عامة ، والمتأمل في سعة المعارف والقوانين الإسلامية وما كان عليه الدنيا يوم ظهر الإسلام من ظلمة الجهل وقذارة الفساد والبغي لا يرتاب في عدم إمكان مواجهة الدنيا ومكافحة الشرك والفساد حينئذ دفعة.