فهرس الكتاب

الصفحة 744 من 4314

بل كان من الواجب في الحكمة أن تبدأ الدعوة بالبعض وأن يكون ذلك البعض هو قوم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يظهر بركوز الدين فيهم على غيرهم وهكذا كان ، قال تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم:"إبراهيم: 4"وقال: ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين:"الشعراء: 199"والآيات التي تدل على ارتباط الدعوة والإنذار بالعرب لا تدل على أزيد من كونهم بعض من تعلقت بهم الدعوة والإنذار ، وكذا الآيات النازلة في التحدي بالقرآن لو كان فيها ما ينحصر تحديه بالبلاغة فحسب إنما هي لكون البلاغة إحدى جهات التحدي بالإعجاز ، ولا دليل في ذلك على كون الأمة العربية هي المقصودة بالدعوة فقط نعم اللسان مقصود بالاستقلال للبيان كما مر من قوله: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم الآية ، وقوله: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن:"يوسف: 3"وقوله: وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين:"الشعراء: 195"فاللسان العربي هو المظهر للمعاني والمقاصد الذهنية أتم إظهار ، ولذلك اختاره الله سبحانه لكتابه العزيز من بين الألسن وقال: إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون:"الزخرف: 3".

وبالجملة أمره الله تعالى بعد القيام بأصل الدعوة أن يبدأ بعشيرته فقال: وأنذر عشيرتك الأقربين:"الشعراء: 214"فامتثل أمره وجمع عشيرته ودعاهم إلى ما بعث له ووعدهم أن أول من لباه فهو خليفته من بعده فأجابه إلى ذلك علي (عليه السلام) فشكر له ذلك واستهزأ به الباقون على ما في صحاح الروايات وكتب التاريخ والسير ، ثم لحق به أناس من أهله كخديجة زوجته وعمه حمزة بن عبد المطلب وعبيد وعمه أبي طالب على ما روته الشيعة وفي أشعاره تصريحات وتلويحات بذلك وإنما لم يتظاهر بالإيمان ليتمكن من حمايته (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ثم أمره الله سبحانه أن يوسع الدعوة لقومه على ما يظهر من قوله: وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها:"الشورى: 7"وقوله: لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون:"الم السجدة: 3"وقوله: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ، وهذه الآية من الشواهد على أن الدعوة غير مقصورة عليهم ، وإنما بدأ بهم حكمة ومصلحة.

ثم أمره الله سبحانه بتوسعة الدعوة للدنيا من جميع المليين وغيرهم كما يدل عليه الآيات السابقة كقوله تعالى:"قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا"وقوله:"و لكن رسول الله وخاتم النبيين"وغيرهما مما تقدم.

الثالثة: الأخذ بالمراتب من حيث الدعوة والإرشاد والإجراء ، وهي الدعوة بالقول والدعوة السلبية والجهاد.

أما الدعوة بالقول فهي مما يستفاد من جميع القرآن بالبداهة ، وقد أمره الله سبحانه برعاية الكرامات الإنسانية والأخلاق الحسنة في ذلك قال تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي:"الكهف: 110"وقال: واخفض جناحك للمؤمنين:"الحجر: 88"وقال: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم:"حم السجدة: 34"وقال: ولا تمنن تستكثر:"المدثر: 6"إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

وأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستعمل جميع فنون البيان على حسب اختلاف الأفهام واستعدادات الأشخاص ، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن:"النحل: 125".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت