و أما الدعوة السلبية فهو اعتزال المؤمنين الكافرين في دينهم وأعمالهم وتكوين مجتمع إسلامي لا يمازجه دين غيرهم ممن لا يوحد الله سبحانه ولا أعمال غير المسلمين من المعاصي وسائر الرذائل الأخلاقية إلا ما أوجبته ضرورة الحياة من المخالطة ، قال تعالى: لكم دينكم ولي دين:"الكافرون: 6"وقال: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون:"هود: 113"وقال: فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير:"الشورى: 15"وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق"إلى أن قال": لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون:"الممتحنة: 9"والآيات في معنى التبري والاعتزال عن أعداء الدين كثيرة ، وهي - كما ترى - تشرح معنى هذا التبري وكيفيته وخصوصيته.
وأما الجهاد فقد تقدم الكلام فيه في ذيل آيات الجهاد من سورة البقرة وهذه المراتب الثلاث من مزايا الدين الإسلامي ومفاخره والمرتبة الأولى لازمة في الأخيرتين وكذا الثانية في الثالثة ، فقد كانت من سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم) الدعوة والموعظة في غزواته قبل الشروع فيها على ما أمره به ربه سبحانه فقال:"فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء".
ومن أخنى القول ما نبذوا به الإسلام: أنه دين السيف دون الدعوة مع أن الكتاب والسيرة والتاريخ تشهد به وتنوره ولكن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
وهؤلاء المنتقدون بعضهم من أهل الكنيسة التي كانت عقدت منذ قرون فيها محكمة دينية تقضي على المنحرفين عن الدين بالنار تشبها بالمحكمة الإلهية يوم القيامة فكان عمالها يجولون في البلاد فيجلبون إليها من الناس من اتهموه بالردة ولو بالأقوال الحديثة في الطبيعيات والرياضيات مما لم يقل به الفلسفة الإسكولاستيكية التي كانت الكنيسة تروجها.
فليت شعري هل بسط التوحيد وقطع منابت الوثنية وتطهير الدنيا من قذارة الفساد أهم عند العقل السليم أو تخنيق من قال بمثل حركة الأرض أو نفي الفلك البطليموسي ورد أنفاسه إلى صدره ، والكنيسة هي التي أثارت العالم المسيحي على المسلمين باسم الجهاد مع الوثنية فأقامت الحروب الصليبية على ساقها مائتي سنة تقريبا وخربت البلاد وأفنت الملايين من النفوس وأباحت الأعراض.
وبعضهم من غير أهل الكنيسة من المدعين للتمدن والحرية!! وهؤلاء هم الذين يوقدون نار الحروب العالمية ويقلبون الدنيا ظهر البطن كلما هتفت بهم مزاعمهم توجه خطر يسير على بعض منافعهم المادية فهل استقرار الشرك في الدنيا وانحطاط الأخلاق وموت الفضائل وإحاطة الشؤم والفساد على الأرض ومن فيها أضر أم زوال السلطة على أشبار من الأرض أو الخسارة في دريهمات يسيرة؟! نعم إن الإنسان لربه لكنود.