و يعجبني نقل ما ذكره بعض المحققين الأعاظم في هذا الباب في بعض رسائله قال رحمه الله: الوسائل المتبعة للإصلاح الاجتماعي وتحقيق العدل وتمزيق الظلم ومقاومة الشر والفساد تكاد تنحصر في ثلاثة أنواع: 1 - وسائل الدعوة والإرشاد بالخطب والمقالات والمؤلفات والنشرات ، وهذه هي الخطة الشريفة التي أشار إليها الحق جل شأنه بقوله: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ، وقوله: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وهذه هي الطريقة التي استعملها الإسلام في أول البعثة ، إلى أن قال: 2 - وسائل المقاومة السلمية والسلبية كالمظاهرات والإضرابات والمقاطعة الاقتصادية وعدم التعاون مع الظالمين ، وعدم الاشتراك في أعمالهم وحكومتهم ، وأصحاب هذه الطريقة لا يبيحون اتخاذ طريق الحرب والقتل والعنف ، وهي المشار إليها بقوله تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، ولا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء وفي القرآن الكريم كثير من الآيات التي تشير إلى هذه الطريقة ، وأشهر من دعا إلى هذه الطريقة وأكد عليها النبي الهندي بوذا ، والمسيح (عليه السلام) ، والأديب الروسي"تولستوي"والزعيم الهندي الروحي"غاندي".
3 -الحرب والثورة والقتال.
والإسلام يتدرج في هذه الأساليب الثلاثة:"الأولى"الموعظة الحسنة والدعوة السليمة فإن لم ينجح في دفع الظالمين ودرء فسادهم واستبدادهم"فالثانية"المقاطعة السلمية أو السلبية وعدم التعاون والمشاركة معهم فإن لم تجد وتنفع"فالثالثه"الثورة المسلحة فإن الله لا يرضى بالظلم أبدا بل والراضي الساكت شريك الظالم.
الإسلام عقيدة ، وقد غلط وركب الشطط من قال: إن الإسلام نشر دعوته بالسيف والقتال فإن الإسلام إيمان وعقيدة ، والعقيدة لا تحصل بالجبر والإكراه وإنما تخضع للحجة والبرهان ، والقرآن المجيد ينادي بذلك في عدة آيات منها"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
والإسلام إنما استعمل السيف وشهر السلاح على الظالمين الذين لم يقتنعوا بالآيات والبراهين استعمل القوة في سبيل من وقف حجر عثرة في سبيل الدعوة إلى الحق ، أجهز السلاح لدفع شر المعاندين لا إلى إدخالهم في حظيرة الإسلام يقول جل شأنه: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة فالقتال إنما هو لدفع الفتنة لا لاعتناق الدين والعقيدة.
فالإسلام لا يقاتل عبطة واختيارا وإنما يحرجه الأعداء فيلتجىء إليه اضطرارا ولا يأخذ منه إلا بالوسائل الشريفة فيحرم في الحرب والسلم التخريب والإحراق والسم وقطع الماء عن الأعداء كما يحرم قتل النساء والأطفال وقتل الأسرى ويوصي بالرفق بهم والإحسان إليهم مهما كانوا من العداء والبغضاء للمسلمين ويحرم الاغتيال في الحرب والسلم ويحرم قتل الشيوخ والعجزة ومن لم يبدأ بالحرب ويحرم الهجوم على العدو ليلا"فانبذ إليهم على سواء"ويحرم القتل على الظنة والتهمة والعقاب قبل ارتكاب الجريمة إلى أمثال ذلك من الأعمال التي يأباها الشرف والمروءة والتي تنبعث من الخسة والقسوة والدناءة والوحشية.
كل تلك الأعمال التي أبى شرف الإسلام ارتكاب شيء منها مع الأعداء في كل ما كان له من المعارك والحروب قد ارتكبتها بأفظع صورها وأهول أنواعها الدول المتمدنة في هذا العصر الذي يسمونه عصر النور نعم أباح عصر النور قتل النساء والأطفال والشيوخ والمرضى والتبييت ليلا والهجوم ليلا بالسلاح والقنابل على العزل والمدنيين الآمنين ، وأباح القتل بالجملة.
أ لم يرسل الألمان في الحرب العالمية الثانية القنابل الصاروخية إلى لندن فهدمت المباني وقتلت النساء والأطفال والسكان الآمنين؟! أ لم يقتل الألمان ألوف الأسرى؟! أ لم يرسل الحلفاء في الحرب الماضية ألوف الطائرات إلى ألمانيا لتخريب مدنها؟! أ لم يرم الأمريكان القنابل الذرية على المدن اليابانية؟!.
وبعد اختراع وسائل الدمار الحديثة كالصواريخ والقنابل الذرية والهيدروجينية لا يعلم إلا الله ما ذا يحل بالأرض من عذاب وخراب ومآسي وآلام إذا حدثت حرب عالمية ثالثة ولجأت الدول المتحاربة إلى استعمال تلك الوسائل ، أرشد الله الإنسان إلى طريق الصواب وهداه الصراط المستقيم ، انتهى.