قوله تعالى:"و آتوا اليتامى أموالهم"إلى آخر الآية ، أمر بإيتاء اليتامى أموالهم وهو توطئة للجملتين اللاحقتين: ولا تتبدلوا"إلخ"أو الجملتان كالمفسر لهذه الجملة غير أن التعليل الذي في آخر الآية لكونه راجعا إلى الجملتين أو الجملة الأخيرة يؤيد أن الجملة الأولى موضوعة في الكلام تمهيدا للنهي الذي في الجملتين اللاحقتين.
وأصل النهي عن التصرف المضار في أموال اليتامى كما تقدم بيانه توطئة وتمهيد لما سيذكر من أحكام الإرث ، ولما سيذكر في الآية التالية من حكم التزوج.
وأما قوله تعالى:"و لا تتبدلوا الخبيث بالطيب"أي لا تتبدلوا الخبيث من أموالكم من الطيب من أموالهم بأن يكون لهم عندكم مال طيب فتعزلوه لأنفسكم وتردوا إليهم ما يعادله من ردي أموالكم.
ويمكن أن يكون المراد: لا تتبدلوا أكل الحرام من أكل الحلال - كما قيل - لكن المعنى الأول أظهر فإن الظاهر أن كلا من الجملتين أعني قوله: ولا تتبدلوا إلخ وقوله: ولا تأكلوا إلخ بيان لنوع خاص من التصرف غير الجائز وقوله: وآتوا اليتامى إلخ تمهيد لبيانهما معا ، وأما قوله: إنه كان حوبا كبيرا الحوب الإثم مصدر واسم مصدر.
قوله تعالى:"و إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانحكوا ما طاب لكم من النساء"قد مرت الإشارة فيما مر إلى أن أهل الجاهلية من العرب - وكانوا لا يخلون في غالب الأوقات عن الحروب والمقاتل والغيلة والغارة وكان يكثر فيهم حوادث القتل - كان يكثر فيهم الأيتام ، وكانت الصناديد والأقوياء منهم يأخذون إليهم يتامى النساء وأموالهن فيتزوجون بهن ويأكلون أموالهن إلى أموالهم ثم لا يقسطون فيهن وربما أخرجوهن بعد أكل مالهن فيصرن عاطلات ذوات مسكنة لا مال لهن يرتزقن به ولا راغب فيهن فيتزوج بهن وينفق عليهن ، وقد شدد القرآن الكريم النكير على هذا الدأب الخبيث والظلم الفاحش ، وأكد النهي عن ظلم اليتامى وأكل أموالهم كقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا:"النساء: 10"، وقوله تعالى: وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا الآية:"النساء: 2"، فأعقب ذلك أن المسلمين أشفقوا على أنفسهم - كما قيل - وخافوا خوفا شديدا حتى أخرجوا اليتامى من ديارهم خوفا من الابتلاء بأموالهم والتفريط في حقهم ، ومن أمسك يتيما عنده أفرز حظه من الطعام والشراب وكان إذا فضل من غذائهم شيء لم يدنوا منه حتى يبقى ويفسد فأصبحوا متحرجين من ذلك وسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك وشكوا إليه فنزل: ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم:"البقرة: 220"، فأجاز لهم أن يأووهم ويمسكوهم إصلاحا لشأنهم وأن يخالطوهم فإنهم إخوانهم فجلى عنهم وفرج همهم.
إذا تأملت في ذلك ثم رجعت إلى قوله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا"إلخ"وهو واقع عقيب قوله: وآتوا اليتامى أموالهم الآية اتضح لك أن الآية واقعة موقع الترقي بالنسبة إلى النهي الواقع في الآية السابقة والمعنى - والله أعلم -: اتقوا أمر اليتامى ، ولا تتبدلوا خبيث أموالكم من طيب أموالهم ، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتى إنكم إن خفتم ألا تقسطوا في اليتيمات منهم ولم تطب نفوسكم أن تنكحوهن وتتزوجوا بهن فدعوهن وانكحوا نساء غيرهن ما طاب لكم مثنى وثلاث ورباع.
فالشرطية أعني قوله: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ، في معنى قولنا إن لم تطب لكم اليتامى للخوف من عدم القسط فلا تنكحوهن وانكحوا نساء غيرهن فقوله: فانكحوا ساد مسد الجزاء الحقيقي ، وقوله: ما طاب لكم ، يغني عن ذكر وصف النساء أعني لفظ غيرهن ، وقد قيل: ما طاب لكم ولم يقل: من طاب لكم إشارة إلى العدد الذي سيفصله بقوله: مثنى وثلاث إلخ ووضع قوله: إن خفتم ألا تقسطوا موضع عدم طيب النفس من وضع السبب موضع المسبب مع الإشعار بالمسبب في الجزاء بقوله: ما طاب لكم ، هذا.