فهرس الكتاب

الصفحة 748 من 4314

و قد قيل في معنى الآية أمور أخر غير ما مر على ما ذكر في مطولات التفاسير وهي كثيرة ، منها: أنه كان الرجل منهم يتزوج بالأربع والخمس وأكثر ويقول: ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان ، فإذا فني ماله مال إلى مال اليتيم الذي في حجره فنهاهم الله عن أن يتجاوزوا الأربع لئلا يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيم ظلما.

ومنها: أنهم كانوا يشددون في أمر اليتامى ولا يشددون في أمر النساء فيتزوجون منهن عددا كثيرا ولا يعدلون بينهن ، فقال تعالى: إن كنتم تخافون أمر اليتامى فخافوا في النساء فانكحوا منهن واحدة إلى أربع.

ومنها: أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى وأكل أموالهم فقال سبحانه: إن كنتم تحرجتم من ذلك فكذلك تحرجوا من الزنا وانكحوا ما طاب لكم من النساء.

ومنها: أن المعنى إن خفتم ألا تقسطوا في اليتيمة المرباة في حجوركم فانكحوا ما طاب لكم من النساء مما أحل لكم من يتامى قرباتكم مثنى وثلاث ورباع.

ومنها: أن المعنى إن كنتم تتحرجون عن مؤاكلة اليتامى فتحرجوا من الجمع بين النساء وأن لا تعدلوا بينهن ولا تتزوجوا منهن إلا من تأمنون معه الجور ، فهذه وجوه ذكروها لكنك بصير بأن شيئا منها لا ينطبق على لفظ الآية ذاك الانطباق فالمصير إلى ما قدمناه.

قوله تعالى:"مثنى وثلاث ورباع"بناء مفعل وفعال في الأعداد تدلان على تكرار المادة فمعنى مثنى وثلاث ورباع اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا ، ولما كان الخطاب متوجها إلى أفراد الناس وقد جيء بواو التفصيل بين مثنى وثلاث ورباع الدال على التخيير أفاد الكلام أن لكل واحد من المؤمنين أن يتخذ لنفسه زوجتين أو ثلاثا أو أربعا فيصرن بالإضافة إلى الجميع مثنى وثلاث ورباع.

وبذلك وبقرينة قوله بعده: وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم وكذا آية المحصنات بجميع ذلك يدفع أن يكون المراد بالآية أن تنكح الاثنتان بعقد واحد أو الثلاث بعقد واحد مثلا ، أو يكون المراد أن تنكح الاثنتان معا ثم الاثنتان معا وهكذا ، وكذا في الثلاث والأربع ، أو يكون المراد اشتراك أزيد من رجل واحد في الزوجة الواحدة مثلا فهذه محتملات لا تحتملها الآية.

على أن الضرورة قاضية أن الإسلام لا ينفذ الجمع بين أزيد من أربع نسوة أو اشتراك أزيد من رجل في زوجة واحدة.

وكذا يدفع بذلك احتمال أن يكون الواو للجمع فيكون في الكلام تجويز الجمع بين تسع نسوة لأن مجموع الاثنتين والثلاث والأربع تسع ، وقد ذكر في المجمع: أن الجمع بهذا المعنى غير محتمل البتة فإن من قال: دخل القوم البلد مثنى وثلاث ورباع لم يلزم منه اجتماع الأعداد فيكون دخولهم تسعة تسعة ، ولأن لهذا العدد لفظا موضوعا وهو تسع فالعدول عنه إلى مثنى وثلاث ورباع نوع من العي - جل كلامه عن ذلك وتقدس -.

قوله تعالى:"و إن خفتم ألا تعدلوا فواحدة"أي فانكحوا واحدة لا أزيد ، وقد علقه تعالى على الخوف من ذلك دون العلم لأن العلم في هذه الأمور - ولتسويل النفس فيها أثر بين - لا يحصل غالبا فتفوت المصلحة.

قوله تعالى:"أو ما ملكت أيمانكم"وهي الإماء فمن خاف ألا يقسط فيهن فعليه أن ينكح واحدة ، وإن أحب أن يزيد في العدد فعليه بالإماء إذ لم يشرع القسم في الإماء.

ومن هنا يظهر أن ليس المراد التحضيض على الإماء بتجويز الظلم والتعدي عليهن فإن الله لا يحب الظالمين وليس بظلام للعبيد بل لما لم يشرع القسم فيهن فأمر العدل فيهن أسهل ، ولهذه النكتة بعينها كان المراد بذكر ملك اليمين الاكتفاء باتخاذهن وإتيانهن بملك اليمين دون نكاحهن بما يبلغ العدد أو يكثر عليه فإن مسألة نكاحهن سيتعرض لها في ما سيجيء من قوله: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات الآية:"النساء: 25".

قوله تعالى:"ذلك أدنى ألا تعولوا"العول هو الميل أي هذه الطريقة على ما شرعت أقرب من ألا تميلوا عن العدل ولا تتعدوا عليهن في حقوقهن ، وربما قيل: إن العول بمعنى الثقل وهو بعيد لفظا ومعنى.

وفي ذكر هذه الجملة التي تتضمن حكمة التشريع دلالة على أن أساس التشريع في أحكام النكاح على القسط ونفي العول والإجحاف في الحقوق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت