قوله تعالى:"و آتوا النساء صدقاتهن نحلة"الصدقة بضم الدال وفتحها والصداق هو المهر ، والنحلة هي العطية من غير مثامنة.
وفي إضافة الصدقات إلى ضمير هن دلالة على أن الحكم بوجوب الإيتاء مبني على المتداول بين الناس في سنن الازدواج من تخصيص شيء من المال أو أي شيء له قيمة مهرا لهن كأنه يقابل به البضع مقابلة الثمن المبيع فإن المتداول بين الناس أن يكون الطالب الداعي للازدواج هو الرجل على ما سيأتي في البحث العلمي التالي ، وهو الخطبة كما أن المشتري يذهب بالثمن إلى البائع ليأخذ سلعته ، وكيف كان ففي الآية إمضاء هذه العادة الجارية عند الناس.
ولعل إمكان توهم عدم جواز تصرف الزوج في المهر أصلا حتى برضا من الزوجة هو الموجب للإتيان بالشرط في قوله: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا مع ما في اشتراط الأكل بطيب النفس من تأكيد الجملة السابقة المشتملة على الحكم ، والدلالة على أن الحكم وضعي لا تكليفي.
والهناء سهولة الهضم وقبول الطبع ويستعمل في الطعام ، والمري من الري وهو في الشراب كالهنيء في الطعام غير أن الهناء يستعمل في الطعام والشراب معا ، فإذا قيل: هنيئا مريئا اختص الهناء بالطعام والري بالشراب.
قوله تعالى:"و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما"السفه خفة العقل ، وكان الأصل في معناه مطلق الخفة فيما من شأنه أن لا يخف ومنه الزمام السفيه أي كثير الاضطراب وثوب سفيه أي رديء النسج ثم غلب في خفة النفس واختلف باختلاف الأغراض والمقاصد فقيل سفيه لخفيف الرأي في الأمور الدنيوية وسفيه للفاسق غير المبالي في أمر دينه وهكذا.
وظاهر ما يتراءى من الآية أنه نهي عن الإكثار في الإنفاق على السفهاء وإعطائهم من المال أزيد من حاجاتهم الضرورية في الارتزاق ، غير أن وقوع الآية في سياق الكلام في أموال اليتامى التي يتولى أمر إدارتها وإنمائها الأولياء قرينة معينة على كون المراد بالسفهاء هم السفهاء من اليتامى ، وأن المراد بقوله: أموالكم ، في الحقيقة أموالهم أضيف إلى الأولياء بنوع من العناية كما يشهد به أيضا قوله بعد: وارزقوهم فيها واكسوهم ، وإن كان ولا بد من دلالة الآية على أمر سائر السفهاء غير اليتامى ، فالمراد بالسفهاء ما يعم اليتيم وغير اليتيم لكن الأول أرجح.
وكيف كان فلو كان المراد بالسفهاء سفهاء اليتامى ، فالمراد بقوله: أموالكم ، أموال اليتامى وإنما أضيفت إلى الأولياء المخاطبين بعناية أن مجموع المال والثروة الموجودة في الدنيا لمجموع أهلها وإنما اختص بعض أفراد المجتمع ببعض منه وآخر بآخر للصلاح العام الذي يبتني عليه أصل الملك والاختصاص فيجب أن يتحقق الناس بهذه الحقيقة ويعلموا أنهم مجتمع واحد والمال كله لمجتمعهم ، وعلى كل واحد منهم أن يكلأه ويتحفظ به ولا يدعه يضيع بتبذير نفوس سفيهة ، وتدبير كل من لا يحسن التدبير كالصغير والمجنون ، وهذا من حيث الإضافة كقوله تعالى: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم:"النساء: 25"، ومن المعلوم أن المراد بالفتيات ليس الإماء اللاتي يملكها من يريد النكاح.
ففي الآية دلالة على حكم عام موجه إلى المجتمع وهو أن المجتمع ذو شخصية واحدة له كل المال الذي أقام الله به صلبه وجعله له معاشا فيلزم على المجتمع أن يدبره ويصلحه ويعرضه معرض النماء ويرتزق به ارتزاقا معتدلا مقتصدا ويحفظه عن الضيعة والفساد ، ومن فروع هذا الأصل أنه يجب على الأولياء أن يتولوا أمر السفهاء فلا يؤتوهم أموالهم فيضيعوها بوضعها في غير ما ينبغي أن توضع فيه بل عليهم أن يحبسوها عنهم ويصلحوا شأنها ، وينموها بالكسب والاتجار والاسترباح ويرزقوا أولئك السفهاء من فوائدها ونمائها دون أصلها حتى لا ينفد رويدا رويدا وينتهي إلى مسكنة صاحب المال وشقوته.
ومن هنا يظهر أن المراد بقوله: وارزقوهم فيها واكسوهم ، أن يرتزق السفيه في المال بأن يعيش من نمائه ونتاجه وأرباحه لا من المال بأن يشرع في الأكل من أصله على ركود منه من غير جريان ودوران فينفد عن آخره ، وهذه هي النكتة في قوله:"فيها"دون أن يقول:"منها"كما ذكره الزمخشري.