و لا يبعد أن يستفاد من الآية عموم ولاية المحجور عليهم بمعنى أن الله لا يرضى بإهمال أمر هؤلاء بل على المجتمع الإسلامي تولي أمرهم فإن كان هناك واحد من الأولياء الأقربين كالأب والجد فعليه التولي والمباشرة ، وإلا فعلى الحكومة الشرعية أو على المؤمنين أن يقوموا بالأمر على التفصيل المذكور في الفقه.
كلام في أن جميع المال لجميع الناس
هذه حقيقة قرآنية هي أصل لأحكام وقوانين هامة في الإسلام أعني ما تفيده هذه الآية: أن المال لله ملكا حقيقيا جعله قياما ومعاشا للمجتمع الإنساني من غير أن يقفه على شخص دون شخص وقفا لا يتغير ولا يتبدل وهبة تنسلب معها قدرة التصرف التشريعي ثم أذن في اختصاصهم بهذا الذي خوله الجميع على طبق نسب مشرعة كالوراثة والحيازة والتجارة وغير ذلك وشرط لتصرفهم أمورا كالعقل والبلوغ ونحو ذلك.
والأصل الثابت الذي يراعى حاله ويتقدر به فروعه هو كون الجميع للجميع ، فإنما تراعى المصالح الخاصة على تقدير انحفاظ المصلحة العامة التي تعود إلى المجتمع وعدم المزاحمة ، وأما مع المزاحمة والمفاوتة فالمقدم هو صلاح المجتمع من غير تردد.
ويتفرع على هذا الأصل الأصيل في الإسلام فروع كثيرة هامة كأحكام الإنفاق ومعظم أحكام المعاملات وغير ذلك ، وقد أيده الله تعالى في موارد من كتابه كقوله تعالى: خلق لكم ما في الأرض جميعا:"البقرة: 29"، وقد أوردنا بعض الكلام المتعلق بهذا المقام في البحث عن آيات الإنفاق من سورة البقرة فليراجع هناك.
قوله تعالى:"و ارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا"قد تقدم استيفاء الكلام في معنى الرزق في قوله تعالى: وترزق من تشاء بغير حساب:"آل عمران: 27"وقوله: وارزقوهم فيها واكسوهم ، كقوله: وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن:"البقرة: 233"فالمراد بالرزق هو الغذاء الذي يغتذي به الإنسان والكسوة ما يلبسه مما يقيه الحر والبرد غير أن لفظ الرزق والكسوة في عرف القرآن كالكسوة والنفقة في لساننا كالكناية يكنى بها عن مجموع ما ترتفع به حوائج الإنسان المادية الحيوية فيدخل فيه سائر ما يحتاج إليه الإنسان كالمسكن ونحوه كما أن الأكل ذو معنى خاص بحسب أصله ثم يكنى به عن مطلق التصرفات كقوله: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا الآية.
وأما قوله:"و قولوا لهم قولا معروفا"فإنما هو كلمة أخلاقية يصلح بها أمر الولاية فإن هؤلاء وإن كانوا سفهاء محجورين عن التصرف في أموالهم غير أنهم ليسوا حيوانا أعجم ولا من الأنعام السائمة بل بشر يجب أن يعامل معهم معاملة الإنسان فيكلموا بما يكلم به الإنسان لا بالمنكر من القول ويعاشروا بما يعاشر به الإنسان.
ومن هنا يظهر أن من الممكن أن يكون قوله: وقولوا لهم قولا معروفا.
كناية عن المعاملة الحسنة والمعاشرة الممدوحة غير المذمومة كما في قوله تعالى:"و قولوا للناس حسنا":"البقرة: 83".
قوله تعالى:"و ابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم"إلى قوله:"أموالهم"الابتلاء الامتحان والمراد من بلوغ النكاح بلوغ أوانه ففيه مجاز عقلي والإيناس المشاهدة وفيه شوب من معنى الألفة فإن مادته الأنس ، والرشد خلاف الغي وهو الاهتداء إلى مقاصد الحياة ، ودفع مال اليتيم إليه كناية عن إعطائه إياه وإقباضه له كأن الولي يدفعه إليه ويبعده من نفسه فهو على ابتذاله كناية لطيفة.
وقوله: حتى إذا بلغوا النكاح ، متعلق بقوله: وابتلوا ، ففيه دلالة ما على الاستمرار بأن يشرع الولي في ابتلائه من أول ما يأخذ في التمييز ويصلح للابتلاء حتى ينتهي إلى أوان النكاح ويبلغ مبلغ الرجال ، ومن طبع هذا الحكم ذلك فإن إيناس الرشد لا يحصل بابتلاء الصبي في واقعة أو واقعتين بل يجب تكراره إلى أن يحصل الإيناس ويتمشى بالطبع في مدة مديدة حتى يبلغ الرهاق ثم النكاح.