فهرس الكتاب

الصفحة 779 من 4314

و أما النساء كالزوجة والبنت والأم فلم يكن يرثن لئلا ينتقل مال البيت بانتقالهن إلى بيوت أخرى بالازدواج فإنهم ما كانوا يرون جواز انتقال الثروة من بيت إلى آخر ، وهذا هو الذي ربما ذكره بعضهم فقال: إنهم كانوا يقولون بالملكية الاشتراكية الاجتماعية دون الانفرادية الفردية وأظن أن مأخذه شيء آخر غير الملك الاشتراكي فإن الأقوام الهمجية المتوحشة أيضا من أقدم الأزمنة كانوا يمتنعون من مشاركة غيرهم من الطوائف البدوية فيما حازوه من المراعي والأراضي الخصبة وحموه لأنفسهم وكانوا يحاربون عليه ويدفعون عن محمياتهم وهذا نوع من الملك العام الاجتماعي الذي مالكه هيئة المجتمع الإنساني دون أفراده ، وهو مع ذلك لا ينفي أن يملك كل فرد من المجتمع شيئا من هذا الملك العام اختصاصا.

وهذا ملك صحيح الاعتبار غير أنهم ما كانوا يحسنون تعديل أمره والاستدرار منه ، وقد احترمه الإسلام كما ذكرناه فيما تقدم ، قال تعالى: خلق لكم ما في الأرض جميعا:"البقرة: 29"فالمجتمع الإنساني وهو المجتمع الإسلامي ومن هو تحت ذمته هو المالك لثروة الأرض بهذا المعنى ثم المجتمع الإسلامي هو المالك لما في يده من الثروة ولذلك لا يرى الإسلام إرث الكافر من المسلم.

ولهذا النظر آثار ونماذج في بعض الملل الحاضرة حيث لا يرون جواز تملك الأجانب شيئا من الأراضي والأموال غير المنقولة من أوطانهم ونحو ذلك.

ولما كان البيت في الروم القديم ذا استقلال وتمام في نفسه كان قد استقر فيه هذه العادة القديمة المستقرة في الطوائف والممالك المستقلة.

وكان قد أنتج استقرار هذه العادة أو السنة في بيوت الروم مع سنتهم في التزويج من منع الازدواج بالمحارم أن القرابة انقسمت عندهم قسمين: أحدهما القرابة الطبيعية وهي الاشتراك في الدم ، وكان لازمها منع الازدواج في المحارم وجوازه في غيرهم ، والثاني القرابة الرسمية وهي القانونية ولازمها الإرث وعدمه والنفقة والولاية وغير ذلك فكان الأبناء أقرباء ذوي قرابة طبيعية ورسمية معا بالنسبة إلى رب البيت ورئيسه وفي ما بينهم ، أنفسهم وكانت النساء جميعا ذوات قرابة طبيعية لا رسمية فكانت المرأة لا ترث والدها ولا ولدها ولا أخاها ولا بعلها ولا غيرهم.

هذه سنة الروم القديم.

وأما اليونان فكان وضعهم القديم في تشكل البيوت قريبا من وضع الروم القديم ، وكان الميراث فيهم يرثه أرشد الأولاد الذكور ، ويحرم النساء جميعا من زوجة وبنت وأخت ، ويحرم صغار الأولاد وغيرهم غير أنهم كالروميين ربما كانوا يحتالون لإيراث الصغار من أبنائهم ومن أحبوها وأشفقوا عليها من زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم بحبل متفرقة تسهل الطريق لامتاعهن بشيء من الميراث قليل أو كثير بوصية أو نحوها وسيجيء الكلام في أمر الوصية.

وأما الهند ومصر والصين فكان أمر الميراث في حرمان النساء منه مطلقا وحرمان ضعفاء الأولاد أو بقاؤهم تحت الولاية والقيمومة قريبا مما تقدم من سنة الروم واليونان.

وأما الفرس فإنهم كانوا يرون نكاح المحارم وتعدد الزوجات كما تقدم ويرون التبني ، وكانت أحب النساء إلى الزوج ربما قامت مقام الابن بالادعاء وترث كما يرث الابن والدعي بالسوية وكانت تحرم بقية الزوجات ، والبنت المزوجة لا ترث حذرا من انتقال المال إلى خارج البيت ، والتي لم تزوج بعد ترث نصف سهم الابن ، فكانت الزوجات غير الكبيرة والبنت المزوجة محرومات ، وكانت الزوجة الكبيرة والابن والدعي والبنت غير المزوجة بعد مرزوقين.

وأما العرب فقد كانوا يحرمون النساء مطلقا والصغار من البنين ويمتعون أرشد الأولاد ممن يركب الفرس ويدفع عن الحرمة ، فإن لم يكن فالعصبة.

هذا حال الدنيا يوم نزلت آيات الإرث ، ذكرها وتعرض لها كثير من تواريخ آداب الملل ورسومهم والرحلات وكتب الحقوق وأمثالها من أراد الاطلاع على تفاصيل القول أمكنه أن يراجعها.

وقد تلخص من جميع ما مر أن السنة كانت قد استقرت في الدنيا يومئذ على حرمان النساء بعنوان أنهن زوجة أو أم أو بنت أو أخت إلا بعناوين أخرى مختلفة ، وعلى حرمان الصغار والأيتام إلا في بعض الموارد تحت عنوان الولاية والقيمومة الدائمة غير المنقطعة.

4 -ما ذا صنع الإسلام والظرف هذا الظرف؟:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت