فهرس الكتاب

الصفحة 780 من 4314

قد تقدم مرارا أن الإسلام يرى أن الأساس الحق للأحكام والقوانين الإنسانية هو الفطرة التي فطر الناس عليها ولا تبديل لخلق الله ، وقد بنى الإرث على أساس الرحم التي هي من الفطرة والخلقة الثابتة ، وقد ألغى إرث الأدعياء حيث يقول تعالى: وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم:"الأحزاب: 5".

ثم أخرج الوصية من تحت عنوان الإرث وأفردها عنوانا مستقلا يعطى به ويؤخذ وإن كانوا يسمون التملك من جهة الإيصاء إرثا ، وليس ذلك مجرد اختلاف في التسمية فإن لكل من الوصية والإرث ملاكا آخر وأصلا فطريا مستقلا ، فملاك الإرث هو الرحم ولا نفوذ لإرادة المتوفى فيها أصلا ، وملاك الوصية نفوذ إرادة المتوفى بعد وفاته وإن شئت قل: حين ما يوصي في ما يملكه في حياته واحترام مشيته ، فلو أدخلت الوصية في الإرث لم يكن ذلك إلا مجرد تسمية.

وأما ما كان يسميها الناس كالروم القديم مثلا إرثا فلم يكن لاعتبارهم في سنة الإرث أحد الأمرين ، إما الرحم وإما احترام إرادة الميت بل حقيقة الأمر أنهم كانوا يبنون الإرث على احترام الإرادة وهي إرادة الميت بقاء المال الموروث في البيت الذي كان فيه تحت يد رئيس البيت وربه أو إرادته انتقاله بعد الموت إلى من يحبه الميت ويشفق عليه فكان الإرث على أي حال يبتني على احترام الإرادة ولو كان مبتنيا على أصل الرحم واشتراك الدم لرزق من المال كثير من المحرومين منه ، وحرم كثير من المرزوقين.

ثم إنه بعد ذلك عمد إلى الإرث وعنده في ذلك أصلان جوهريان: أصل الرحم وهو العنصر المشترك بين الإنسان وأقربائه لا يختلف فيه الذكور والإناث والكبار والصغار حتى الأجنة في بطون أمهاتهم وإن كان مختلف الأثر في التقدم والتأخر ، ومنع البعض للبعض من جهة قوته وضعفه بالقرب من الإنسان والبعد منه ، وانتفاء الوسائط وتحققها قليلا أو كثيرا كالولد والأخ والعم ، وهذا الأصل يقضي باستحقاق أصل الإرث مع حفظ الطبقات المتقدمة والمتأخرة.

وأصل اختلاف الذكر والأنثى في نحو وجود القرائح الناشئة عن الاختلاف في تجهيزهما بالتعقل والإحساسات ، فالرجل بحسب طبعه إنسان التعقل كما أن المرأة مظهر العواطف والإحساسات اللطيفة الرقيقة ، وهذا الفرق مؤثر في حياتيهما التأثير البارز في تدبير المال المملوك ، وصرفه في الحوائج ، وهذا الأصل هو الموجب للاختلاف في السهام في الرجل والمرأة وإن وقعا في طبقة واحدة كالابن والبنت ، والأخ والأخت في الجملة على ما سنبينه.

واستنتج من الأصل الأول ترتب الطبقات بحسب القرب والبعد من الميت لفقدان الوسائط وقلتها وكثرتها فالطبقة الأولى هي التي تتقرب من الميت بلا واسطة وهي الابن والبنت والأب والأم ، والثانية الأخ والأخت والجد والجدة وهي تتقرب من الميت بواسطة واحدة وهي الأب أو الأم أو هما معا ، والثالثة العم والعمة والخال والخالة ، وهي تتقرب إلى الميت بواسطتين.

وهما أب الميت أو أمه وجده أو جدته ، وعلى هذا القياس ، والأولاد في كل طبقة يقومون مقام آبائهم ويمنعون الطبقة اللاحقة وروعي حال الزوجين لاختلاط دمائهما بالزواج مع جميع الطبقات فلا يمنعهما طبقة ولا يمنعان طبقة.

ثم استنتج من الأصل الثاني اختلاف الذكر والأنثى في غير الأم والكلالة المتقربة بالأم بأن للذكر مثل حظ الأنثيين.

والسهام الستة المفروضة في الإسلام النصف والثلثان والثلث والربع والسدس والثمن وإن اختلفت ، وكذا المال الذي ينتهي إلى أحد الوراث وإن تخلف عن فريضته غالبا بالرد أو النقص الوارد وكذا الأب والأم وكلالة الأم وإن تخلفت فرائضهم عن قاعدة"للذكر مثل حظ الأنثيين"ولذلك يعسر البحث الكلي الجامع في باب الإرث إلا أن الجميع بحسب اعتبار النوع في تخليف السابق للاحق يرجع إلى استخلاف أحد الزوجين للآخر واستخلاف الطبقة المولدة وهم الآباء والأمهات للطبقة المتولدة وهم الأولاد ، والفريضة الإسلامية في كل من القبيلين أعني الأزواج والأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت