هذا وقد انجر أمر الكنيسة بعد إلى الإفراط في أمر التوبة إلى حيث كانت تبيع أوراق المغفرة وتتجر بها ، وكان أولياء الدين يغفرون ذنوب العاصين فيما اعترفوا به عندهم! لكن القرآن حلل حال الإنسان بحسب وقوع الدعوة عليه وتعلق الهداية به فوجده بالنظر إلى الكمال والكرامة والسعادة الواجبة له في حياته الأخروية عند الله سبحانه التي لا غنى له عنها في سيره الاختياري إلى ربه فقيرا كل الفقر في ذاته صفر الكف بحسب نفسه قال تعالى: يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني: - فاطر: 15 ، وقال: ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا: - الفرقان: 3.
فهو واقع في مهبط الشقاء ومنحط البعد ومنعزل المسكنة كما يشير إليه قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين: - التين: 5 ، وقوله: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا: - مريم: 72 ، وقوله: فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى: - طه 117.
وإذا كان كذلك فوروده منزلة الكرامة واستقراره في مستقر السعادة يتوقف على انصرافه عما هو فيه من مهبط الشقاء ومنحط البعد وانقلاعه عنه برجوعه إلى ربه ، وهو توبته إليه في أصل السعادة وهو الإيمان ، وفي كل سعادة فرعية وهي كل عمل صالح أعني التوبة والرجوع عن أصل الشقاء وهو الشرك بالله سبحانه ، وعن فروعات الشقاء وهي سيئات الأعمال بعد الشرك ، فالتوبة بمعنى الرجوع إلى الله والانخلاع عن ألواث البعد والشقاء يتوقف عليها الاستقرار في دار الكرامة بالإيمان ، والتنعم بأقسام نعم الطاعات والقربات ، وبعبارة أخرى يتوقف القرب من الله ودار كرامته على التوبة من الشرك ومن كل معصية ، قال تعالى: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون: - النور: 31 ، فالتوبة بمعنى الرجوع إلى الله تعم التوبتين جميعا بل تعمهما وغيرهما على ما سيجيء إن شاء الله.
ثم إن الإنسان لما كان فقيرا في نفسه لا يملك لنفسه خيرا ولا سعادة قط إلا بربه كان محتاجا في هذا الرجوع أيضا إلى عناية من ربه بأمره ، وإعانة منه له في شأنه فيحتاج رجوعه إلى ربه بالعبودية والمسكنة إلى رجوع من ربه إليه بالتوفيق والإعانة ، وهو توبة الله سبحانه لعبده المتقدمة على توبة العبد إلى ربه كما قال تعالى: ثم تاب عليهم ليتوبوا: - التوبة: 118 ، وكذلك الرجوع إلى الله سبحانه يحتاج إلى قبوله بمغفرة الذنوب وتطهيره من القذارات وألواث البعد ، وهذه هي التوبة الثانية من الله سبحانه المتأخرة عن توبة العبد إلى ربه كما قال تعالى: فأولئك يتوب الله عليهم الآية.
وإذا تأملت حق التأمل وجدت أن التعدد في توبة الله سبحانه إنما عرض لها من حيث قياسها إلى توبة العبد ، وإلا فهي توبة واحدة هي رجوع الله سبحانه إلى عبده بالرحمة ، ويكون ذلك عند توبة العبد رجوعا إليه قبلها وبعدها ، وربما كان مع عدم توبة من العبد كما تقدم استفادة ذلك من قوله: ولا الذين يموتون وهم كفار ، وأن قبول الشفاعة في حق العبد المذنب يوم القيامة من مصاديق التوبة ومن هذا الباب قوله تعالى:"و الله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما".
وكذلك القرب والبعد لما كانا نسبيين أمكن أن يتحقق البعد في مقام القرب بنسبة بعض مواقفه ومراحله إلى بعض ، ويصدق حينئذ معنى التوبة على رجوع بعض المقربين من عباد الله الصالحين من موقفه الذي هو فيه إلى موقف أرفع منه وأقرب إلى ربه ، كما يشهد به ما يحكيه تعالى من توبة الأنبياء وهم معصومون بنص كلامه كقوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه: - البقرة: 37 ، وقوله تعالى: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل - إلى قوله -: وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم: - البقرة: 128 ، وقوله تعالى: حكاية عن موسى (عليه السلام) : سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين: - الأعراف: 143 ، وقوله تعالى خطابا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) : فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار: - المؤمن: 55 ، وقوله تعالى: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة: - التوبة: 117.