فهرس الكتاب

الصفحة 791 من 4314

و هذه التوبة العامة من الله سبحانه هي التي يدل عليها إطلاق آيات كثيرة من كلامه تعالى كقوله تعالى: غافر الذنب وقابل التوب: - المؤمن: 3 ، وقوله تعالى: يقبل التوبة عن عباده: - الشورى: 25 ، إلى غير ذلك.

فتلخص مما مر أولا أن نشر الرحمة من الله سبحانه على عبده لمغفرة ذنوبه ، وإزالة ظلمة المعاصي عن قلبه - سواء في ذلك الشرك وما دونه - توبة منه تعالى لعبده وأن رجوع العبد إلى ربه لمغفرة ذنوبه وإزالة معاصيه - سواء في ذلك الشرك وغيره - توبة منه إلى ربه.

ويتبين به أن من الواجب في الدعوة الحقة أن تعتني بأمر المعاصي كما تعتني بأصل الشرك ، وتندب إلى مطلق التوبة الشامل للتوبة عن الشرك والتوبة عن المعاصي.

وثانيا: أن التوبة من الله سبحانه لعبده أعم من المبتدئة واللاحقة فضل منه كسائر النعم التي يتنعم بها خلقه من غير إلزام وإيجاب يرد عليه تعالى من غيره ، وليس معنى وجوب قبول التوبة عليه تعالى عقلا إلا ما يدل عليه أمثال قوله تعالى: وقابل التوب:"غافر: 3"وقوله: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون:"النور: 31"وقوله: إن الله يحب التوابين الآية:"البقرة: 222"وقوله:"فأولئك يتوب الله عليهم"الآية من الآيات المتضمنة لتوصيفه تعالى بقبول التوبة ، والنادبة إلى التوبة ، الداعية إلى الاستغفار والإنابة وغيرها المشتملة على وعد القبول بالمطابقة أو الالتزام ، والله سبحانه لا يخلف الميعاد.

ومن هنا يظهر أن الله سبحانه غير مجبور في قبول التوبة بل له الملك من غير استثناء يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فله أن يقبل ما يقبل من التوبة على ما وعد ويرد ما يرد منها كما هو ظاهر قوله تعالى: إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم:"آل عمران: 90"ويمكن أن يكون من هذا الباب قوله تعالى: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا:"النساء: 137".

ومن عجيب ما قيل في هذا الباب قول بعضهم في قوله تعالى في قصة غرق فرعون وتوبته ، حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين:"يونس: 91".

قال ما محصله: أن الآية لا تدل على رد توبته ، وليس في القرآن أيضا ما يدل على هلاكه الأبدي ، وأنه من المستبعد عند من يتأمل سعة رحمة الله وسبقتها غضبه أن يجوز عليه تعالى أنه يرد من التجأ إلى باب رحمته وكرامته متذللا مستكينا بالخيبة واليأس ، والواحد منا إذا أخذ بالأخلاق الإنسانية الفطرية من الكرم والجود والرحمة ليرحم أمثال هذا الإنسان النادم حقيقة على ما قدم من سوء الفعال فكيف بمن هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين وغياث المستغيثين.

وهو مدفوع بقوله تعالى:"و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن"الآية ، وقد تقدم أن الندامة حينئذ ندم كاذب يسوق الإنسان إلى إظهاره مشاهدته وبال الذنب ونزول البلاء.

ولو كان كل ندم توبة وكل توبة مقبولة لدفع ذلك قوله تعالى حكاية لحال المجرمين يوم القيامة: وأسروا الندامة لما رأوا العذاب:"سبأ: 33"إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الحاكية لندمهم على ما فعلوا وسؤالهم الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا ، والرد عليهم بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت