و بتقرير آخر: آيات المؤمنون والمعارج: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم الآيات ، أقوى دلالة على حلية المتعة من سائر الآيات ، فمن المتفق عليه بينهم أن هذه الآيات محكمة غير منسوخة وهي مكية ، ومن الضروري بحسب النقل أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رخص في المتعة ، ولو لا كون المتمتع بها زوجة كان الترخيص بالضرورة ناسخا للآيات وهي غير منسوخة ، فالتمتع زوجية مشرعة فإذا تمت دلالة الآيات على تشريعه فما يدعى من نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها فاسد أيضا لمنافاته الآيات ، واستلزامه نسخها ، وقد عرفت أنها غير منسوخة بالاتفاق.
وكيف كان فالمتمتع بها على خلاف ما ذكره زوجة والمتعة نكاح ، وناهيك في ذلك ما وقع فيما نقلناه من الروايات من تسميته في لسان الصحابة والتابعين بنكاح المتعة حتى في لسان عمر بن الخطاب في الروايات المشتملة على نهيه كرواية البيهقي عن عمر في خطبته ، ورواية مسلم عن أبي نضرة ، حتى ما وقع من لفظه في رواية كنز العمال عن سليمان بن يسار:"بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح"فإن معناه أن المتعة نكاح لا يتبين من السفاح ، وأنه يجب عليكم أن تبينوه منه فأتوا بنكاح يبين ويتميز منه ، والدليل على ذلك قوله: بينوا.
وبالجملة كون المتعة نكاحا وكون المتمتع بها زوجة في عرف القرآن ولسان السلف من الصحابة ومن تلاهم من التابعين مما لا ينبغي الارتياب فيه ، وإنما تعين اللفظان النكاح والتزويج في النكاح الدائم بعد نهي عمر ، وانتساخ العمل به بين الناس فلم يبق مورد لصدق اللفظين إلا النكاح الدائم ، فصار هو المتبادر من اللفظ إلى الذهن كسائر الحقائق المتشرعة.
ومن هنا يظهر سقوط ما ذكره بعد ذلك فإن قوله: وقد نقل عن الشيعة أنفسهم أنهم لا يعطونها أحكام الزوجة ولوازمها"إلخ"، يسأل عنه فيه: ما هو المراد بالزوجة؟ أما الزوجة في عرف القرآن فإنهم يعطونها أحكامها من غير استثناء ، وأما الزوجة في عرف المتشرعة - كما ذكر - المعروفة في الفقه فإنهم لا يعطونها أحكامها ولا محذور.
وأما قوله: وذلك قطع منهم بأنه لا يصدق عليه أي على الزاني المتمتع قوله تعالى:"محصنين غير مسافحين"وهذا تناقض صريح منهم ، ففيه أنا ذكرنا في ذيل الآية فيما تقدم أن ظاهرها من جهة شمولها ملك اليمين أن المراد بالإحصان إحصان التعفف دون الازدواج ، ولو سلم أن المراد بالإحصان إحصان الازدواج فالآية شاملة لنكاح المتعة ، وأما عدم رجم الزاني المتمتع مع أن الرجم ليس حكما قرآنيا فإنما هو لبيان أو لتخصيص من السنة كسائر أحكام الزوجية من الميراث والنفقة والطلاق والعدد.
وتوضيح ذلك أن آيات الأحكام إن كانت مسوقة على الإهمال لكونها واردة مورد أصل التشريع فما يطرأ عليها من القيود بيانات من غير تخصيص ولا تقييد ، وإن كانت عمومات أو إطلاقات كانت البيانات الواردة في السنة مخصصات أو مقيدات من غير محذور التناقض والمرجع في ذلك علم أصول الفقه.
وهذه الآيات أعني آيات الإرث والطلاق والنفقة كسائر الآيات لا تخلو من التخصيص والتقييد كالإرث والطلاق في المرتدة والطلاق عند ظهور العيوب المجوزة لفسخ العقد والنفقة عند النشوز فلتخصص بالمتعة ، فالبيانات المخرجة للمتعة عن حكم الميراث والطلاق والنفقة مخصصات أو مقيدات ، وتعين ألفاظ التزويج والنكاح والإحصان ونحو ذلك في الدوام من جهة الحقيقة المتشرعة دون الحقيقة الشرعية فلا محذور أصلا كما توهمه فإذا قال الفقيه مثلا: الزاني المحصن يجب رجمه ، ولا رجم في الزاني المتمتع لعدم إحصانه فإنما ذلك لكونه يصطلح بالإحصان على دوام النكاح ذي الآثار الكذائية ، ولا ينافي ذلك كون الإحصان في عرف القرآن موجودا في الدائمة والمنقطعة معا ، وله في كل منهما آثار خاصة.
وأما نقله عن بعضهم أن الشيعة لا تقول في المتعة بالعدة ففرية بينة فهذه جوامع الشيعة ، وهذه كتبهم الفقهية مملوءة بأن عدة المتمتع بها حيضتان ، وقد تقدم بعض الروايات في ذلك بطرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .
ثم قال: وأما الأحاديث والآثار المروية في ذلك فمجموعها يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرخص لأصحابه فيها في بعض الغزوات ثم نهاهم عنها ثم رخص فيها مرة أو مرتين ثم نهاهم عنها نهيا مؤبدا.