و أن الرخصة كانت للعلم بمشقة اجتناب الزنا مع البعد من نسائهم فكانت من قبيل ارتكاب أخف الضررين فإن الرجل إذا عقد على امرأة خلية نكاحا موقتا ، وأقام معها ذلك الزمن الذي عينه فذلك أهون من تصديه للزنا بأية امرأة يمكنه أن يستميلها.
أقول: ما ذكره أن مجموع الروايات تدل على الترخيص في بعض الغزوات ثم النهي ثم الترخيص فيها مرة أو مرتين ثم النهي المؤبد لا ينطبق على ما تقدم من الروايات على ما فيها من التدافع والتطارد فعليك بالرجوع إليها وقد تقدم أكثرها حتى ترى أن مجموعها يكذب ما ذكره من وجه الجمع حرفا حرفا.
ثم قال: ويرى أهل السنة أن الرخصة في المتعة مرة أو مرتين يقرب من التدريج في منع الزنا منعا باتا كما وقع التدريج في تحريم الخمر ، وكلتا الفاحشتين كانتا فاشيتين في الجاهلية ، ولكن فشو الزنا كان في الإماء دون الحرائر.
أقول: أما قوله: إن الرخصة في المتعة نوع من التدرج في منع الزنا فمحصله أن المتعة كانت عندهم من أنواع الزنا ، وقد كانت كسائر الزنا فاشية في الجاهلية فتدرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنع عن الزنا بالرفق ليقع موقع القبول من الناس فمنع عن غير المتعة من أقسامه ، وأبقى زنا المتعة فرخص فيه ثم منع ثم رخص حتى تمكن من المنع البات فمنعه منعا مؤبدا.
ولعمري أنه من فضيح اللعب بالتشريعات الدينية الطاهرة التي لم يرد الله بها إلا تطهير هذه الأمة ، وإتمام النعمة عليهم.
ففيه أولا: ما تقدم أن نسبة المنع ثم الترخيص ثم المنع ثم الترخيص في المتعة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع فرض دلالة آيات سورتي المعارج والمؤمنون:"و الذين هم لفروجهم حافظون"الآيات - وهي مكية - على حرمة المتعة على ما أصر عليه هذا القائل ليس إلا نسبة نسخ الآيات إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالترخيص ثم نسخ هذا النسخ وأحكام الآيات ثم نسخ الآيات ثم إحكامها وهكذا ، وهل هذا إلا نسبة اللعب بكتاب الله إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وثانيا: أن الآيات الناهية عن الزنا في كتاب الله تعالى هي قوله في سورة الإسراء: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا:"الإسراء: 32"وأي لسان أصرح من هذا اللسان ، والآية مكية واقعة بين آيات المناهي ، وكذا قوله: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم - إلى أن قال: ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن:"الأنعام: 151"، كلمة الفواحش جمع محلى باللام واقعة في سياق النهي مفيدة لاستغراق النهي كل فاحشة وزنا ، والآية مكية ، وكذا قوله: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن: - الأعراف: 33"، والآية أيضا مكية ، وكذا قوله: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون: - المؤمنون: 7 ، المعارج: 31 ، والسورتان مكيتان ، والآيات تحرم المتعة على قول هذا القائل كما تحرم سائر أقسام الزنا."
فهذه جل الآيات الناهية عن الزنا المحرمة للفاحشة ، وجميعها مكية صريحة في التحريم فأين ما ذكره من التدرج في التحريم والمنع؟ أو أنه يقول - كما هو اللازم الصريح لقوله بدلالة آيات المؤمنون على الحرمة -: إن الله سبحانه حرمها تحريما باتا ، ثم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تدرج في المنع عملا بالرخصة بعد الرخصة مداهنة لمصلحة الإيقاع موقع القبول ، وقد شدد الله تعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الخلة بعينها ، قال تعالى: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا:"الإسراء: 75".
وثالثا: أن هذا الترخيص المنسوب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرة بعد مرة إن كان ترخيصا من غير تشريع للحل ، والفرض كون المتعة زنا وفاحشة كان ذلك مخالفة صريحة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) لربه لو كان من عند نفسه ، وهو معصوم بعصمة الله تعالى ، ولو كان من عند ربه كان ذلك أمرا منه تعالى بالفحشاء ، وقد رده تعالى بصريح قوله خطابا لنبيه: قل إن الله لا يأمر بالفحشاء الآية:"الأعراف: 28".