فهرس الكتاب

الصفحة 824 من 4314

و إن كان ترخيصا مع تشريع للحل لم تكن زنا وفاحشة فإنها سنة مشروعة محدودة بحدود محكمة لا تجامع الطبقات المحرمة كالنكاح الدائم ومعها فريضة المهر كالنكاح الدائم ، والعدة المانعة عن اختلاط المياه واختلال الأنساب ، ومعها ضرورة حاجة الناس إليها فما معنى كونها فاحشة وليست الفاحشة إلا العمل المنكر الذي يستقبحه المجتمع لخلاعته من الحدود وإخلاله بالمصلحة العامة ومنعه عن القيام بحاجة المجتمع الضرورية في حياتهم.

ورابعا: أن القول بكون التمتع من أنواع الزنا الدائرة في الجاهلية اختلاق في التاريخ ، واصطناع لا يرجع إلى مدرك تاريخي ، إذ لا عين منه في كتب التاريخ ولا أثر بل هو سنة مبتكرة إسلامية وتسهيل من الله تعالى على هذه الأمة لإقامة أودهم ، ووقايتهم من انتشار الزنا وسائر الفواحش بينهم لو أنهم كانوا وفقوا لإقامة هذه السنة وإذا لم تكن الحكومات الإسلامية تغمض في أمر الزنا وسائر الفواحش هذا الإغماض الذي ألحقها تدريجا بالسنن القانونية ، وامتلأت بها الدنيا فسادا ووبالا.

وأما قوله:"و كلتا الفاحشتين كانتا فاشيتين في الجاهلية ، ولكن فشو الزنا كان في الإماء دون الحرائر"ظاهرة أن مراده بالفاحشتين الزنا وشرب الخمر ، وهو كذلك إلا أن كون الزنا فاشيا في الإماء دون الحرائر مما لا أصل له يركن إليه فإن الشواهد التاريخية المختلفة المتفرقة تؤيد خلاف ذلك كالأشعار التي قيلت في ذلك ، وقد تقدم في رواية ابن عباس أن أهل الجاهلية لم تكن ترى بالزنا بأسا إذا لم يكن علينا.

ويدل عليه أيضا مسألة الادعاء والتبني الدائر في الجاهلية فإن الادعاء لم يكن بينهم مجرد تسمية ونسبة بل كان ذلك أمرا دائرا بينهم يبتغي به أقوياؤهم تكثير العدة والقوة بالإلحاق ، ويستندون فيه إلى زنا ارتكبوه مع الحرائر حتى ذوات الأزواج منهن ، وأما الإماء فهم ولا سيما أقوياؤهم يعيبون الاختلاط بهن ، والمعاشقة والمغازلة معهن ، وإنما كانت شأن الإماء في ذلك أن مواليهن يقيمونهن ذلك المقام اكتسابا واسترباحا.

ومن الدليل على ما ذكرناه ما ورد من قصص الإلحاق في السير والآثار كقصة إلحاق معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه لأبيه أبي سفيان ، وما شهد به شاهد الأمر عند ذلك ، وغيرها من القصص المنقولة.

نعم ربما يستشهد على عدم فشو الزنا بين الحرائر في الجاهلية بقول هند للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند البيعة: وهل الحرة تزني؟ لكن الرجوع إلى ديوان حسان ، والتأمل فيما هجا به هندا بعد وقعتى بدر وأحد يرفع اللبس ويكشف ما هو حقيقة الأمر.

ثم قال بعد كلام له في تنقيح معنى الأحاديث ، ورفعه التدافع الواقع بينها على زعمه: والعمدة عند أهل السنة في تحريمها وجوه: أولها: ما علمت من منافاتها لظاهر القرآن في أحكام النكاح والطلاق والعدة إن لم نقل لنصوصه ، وثانيها: الأحاديث المصرحة بتحريمها تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة - إلى أن قال -: وثالثها: نهي عمر عنها وإشارته بتحريمها على المنبر ، وإقرار الصحابة له على ذلك وقد علم أنهم ما كانوا يقرون على منكر ، وأنهم كانوا يرجعونه إذا أخطأ.

ثم اختار أن تحريمه لها لم يكن عن اجتهاد منه ، وإنما كان استنادا إلى التحريم الثابت بنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإنما يسند إليه التحريم من جهة أنه مبين للحرمة أو منفذ لها كما يقال: حرم الشافعي النبيذ وأحله أبو حنيفة.

أقول: أما الوجه الأول والثاني فقد عرفت آنفا وفي البيان المتقدم حقيقة القول فيهما بما لا مزيد عليه ، وأما الوجه الثالث فتحريم عمر لها سواء كان ذلك باجتهاد منه أو باستناده إلى تحريم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يدعيه هذا القائل ، وسواء كان سكوت الصحابة عنه هيبة له وخوفا من تهديده ، أو إقرارا له في تحريمه كما ذكره ، أو لعدم وقوعه موقع قبول الناس منهم كما يدل عليه الروايات عن علي وجابر وابن مسعود وابن عباس فتحريمه وحلفه على رجم مستحلها وفاعلها لا يؤثر في دلالة الآية عليها ، وعدم انثلام هذه الحلية بكتاب أو سنة فدلالة الآيات وأحكامها مما لا غبار عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت