فمعنى الآيتين - والله أعلم - أن ما نبينه لكم تصديق ما بيناه لكم من حال الممسك عن الإنفاق في سبيل الله بالاختيال والفخر والبخل والرئاء إنك ترى اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب أي حظا منه لا جميعه كما يدعون لأنفسهم يشترون الضلالة ويختارونها على الهدى ، ويريدون أن تضلوا السبيل فإنهم وإن لقوكم ببشر الوجه ، وظهروا لكم في زي الصلاح ، واتصلوا بكم اتصال الأولياء الناصرين فذكروا لكم ما ربما استحسنته طباعكم ، واستصوبته قلوبكم لكنهم ما يريدون إلا ضلالكم عن السبيل كما اختاروا لأنفسهم الضلالة ، والله أعلم منكم بأعدائكم ، وهم أعداؤكم فلا يغرنكم ظاهر ما تشاهدون من حالهم فإياكم أن تطيعوا أمرهم أو تصغوا إلى أقوالهم المزوقة وإلقاءاتهم المزخرفة وأنتم تقدرون أنهم أولياؤكم وأنصاركم ، فأنتم لا تحتاجون إلى ولايتهم الكاذبة ، ونصرتهم المرجوة وكفى بالله وليا ، وكفى بالله نصيرا ، فأي حاجة مع ولايته ونصرته إلى ولايتهم ونصرتهم.
قوله تعالى:"من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه"إلى قوله:"في الدين""من"في قوله: من الذين ، بيانيه ، وهو بيان لقوله في الآية السابقة: الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، أو لقوله: بأعدائكم ، وربما قيل: إن قوله: من الذين هادوا خبر لمبتدإ محذوف وهو الموصوف المحذوف لقوله يحرفون الكلم ، والتقدير: من الذين هادوا قوم يحرفون ، أو من الذين هادوا من يحرفون ، قالوا: وحذف الموصوف شائع كقول ذي الرمة: فظلوا ومنهم دمعه سابق له.
وآخر يشني دمعة العين بالمهل.
يريد: ومنهم قوم دمعه أو ومنهم من دمعه وقد وصف الله تعالى هذه الطائفة بتحريف الكلم عن مواضعه ، وذلك إما بتغيير مواضع الألفاظ بالتقديم والتأخير والإسقاط والزيادة كما ينسب إلى التوراة الموجودة ، وإما بتفسير ما ورد عن موسى (عليه السلام) في التوراة وعن سائر الأنبياء بغير ما قصد منه من المعنى الحق كما أولوا ما ورد في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بشارات التوراة ، ومن قبل أولوا ما ورد في المسيح (عليه السلام) من البشارة ، وقالوا: إن الموعود لم يجىء بعد ، وهم ينتظرون قدومه إلى اليوم.
ومن الممكن أن يكون المراد بتحريف الكلم عن مواضعه ما سيذكره تعالى بقوله: ويقولون سمعنا وعصينا ، فتكون هذه الجمل معطوفة على قوله: يحرفون ، ويكون المراد حينئذ من تحريف الكلم عن مواضعه استعمال القول بوضعه في غير المحل الذي ينبغي أن يوضع فيه ، فقول القائل: سمعنا من حقه أن يوضع في موضع الطاعة فيقال: سمعنا وأطعنا لا أن يقال: سمعنا وعصينا ، أو يوضع: سمعنا موضع التهكم والاستهزاء ، وكذا قول القائل: اسمع ينبغي أن يقال فيه: اسمع أسمعك الله لا أن يقال: اسمع غير مسمع أي لا أسمعك الله وراعنا ، وهو يفيد في لغة اليهود معنى اسمع غير مسمع.
وقوله:"ليا بألسنتهم وطعنا في الدين"أصل اللي الفتل أي يميلون بألسنتهم فيظهرون الباطل من كلامهم في صورة الحق ، والإزراء والإهانة في صور التأدب والاحترام فإن المؤمنين كانوا يخاطبون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين ما كانوا يكلمونه بقولهم: راعنا يا رسول الله ، ومعناه: أنظرنا واسمع منا حتى نوفي غرضنا من كلامنا ، فاغتنمت اليهود ذلك فكانوا يخاطبون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقولهم: راعنا وهم يريدون به ما عندهم من المعنى المستهجن غير الحري بمقامه (صلى الله عليه وآله وسلم) فذموا به في هذه الآية ، وهو قوله تعالى:"يحرفون الكلم عن مواضعه"ثم فسره بقوله:"و يقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع"ثم عطف عليه كعطف التفسير قوله:"و راعنا"ثم ذكر أن هذا الفعال المذموم منهم لي بالألسن ، وطعن في الدين فقال:"ليا بألسنتهم وطعنا في الدين"والمصدران في موضع الحال والتقدير: لاوين بألسنتهم ، وطاعنين في الدين.