فهرس الكتاب

الصفحة 858 من 4314

قوله تعالى:"و لو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا لكان خيرا لهم وأقوم"كون هذا القول منهم وهو مشتمل على أدب الدين ، والخضوع للحق خيرا وأقوم مما قالوه مع اشتماله على اللي والطعن المذمومين ولا خير فيه ولا قوام مبني على مقايسة الأثر الحق الذي في هذا الكلام الحق على ما يظنونه من الأثر في كلامهم وإن لم يكن له ذلك بحسب الحقيقة ، فالمقايسة بين الأثر الحق وبين الأثر المظنون حقا ، والمعنى: أنهم لو قالوا: سمعنا وأطعنا ، لكان فيه من الخير والقوام أكثر مما يقدرون في أنفسهم لهذا اللي والطعن فالكلام يجري مجرى قوله تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين: - الجمعة: 11.

قوله تعالى:"و لكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا"تأييس للسامعين من أن تقول اليهود سمعنا وأطعنا فإنه كلمة إيمان وهؤلاء ملعونون لا يوفقون للإيمان ، ولذلك قيل: لو أنهم قالوا ، الدال على التمني المشعر بالاستحالة.

والظاهر أن الباء في قوله:"بكفرهم"للسببية دون الآية ، فإن الكفر يمكن أن يزاح بالإيمان فهو لا يوجب بما هو كفر لعنة تمنع عن الإيمان منعا قاطعا لكنهم لما كفروا وسيشرح الله تعالى في آخر السورة حال كفرهم لعنهم الله بسبب ذلك لعنا ألزم الكفر عليهم إلزاما لا يؤمنون بذلك إلا قليلا فافهم ذلك.

وأما قوله: فلا يؤمنون إلا قليلا فقد قيل: إن"قليلا"حال ، والتقدير: إلا وهم قليل أي لا يؤمنون إلا في حال هم قليل ، وربما قيل: إن"قليلا"صفة لموصوف محذوف ، والتقدير: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، وهذا الوجه كسابقه لا بأس به لكن يجب أن يزاد فيه أن اتصاف الإيمان بالقلة إنما هو من قبيل الوصف بحال المتعلق أي إيمانا المؤمن به قليل.

وأما ما ذكره بعض المفسرين أن المراد به قليل الإيمان في مقابل كامله ، وذكر أن المعنى: فلا يؤمنون إلا قليلا من الإيمان لا يعتد به إذ لا يصلح عمل صاحبه ، ولا يزكي نفسه ، ولا يرقي عقله فقد أخطأ ، فإن الإيمان إنما يتصف بالمستقر والمستودع ، والكامل والناقص في درجات ومراتب مختلفة ، وأما القلة وتقابلها الكثرة فلا يتصف بهما ، وخاصة في مثل القرآن الذي هو أبلغ الكلام.

على أن المراد بالإيمان المذكور في الآية إما حقيقة الإيمان القلبي في مقابل النفاق أو صورة الإيمان التي ربما يطلق عليها الإسلام ، واعتباره على أي معنى من معانيه ، والاعتناء به في الإسلام مما لا ريب فيه ، والآيات القرآنية ناصة فيه ، قال تعالى: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا:"النساء: 94"، مع أن الذي يستثني الله تعالى منه قوله: ولكن لعنهم الله بكفرهم ، كان يكفي فيه أقل درجات الإيمان أو الإسلام الظاهري بحفظهم الظاهر بقولهم: سمعنا وأطعنا كسائر المسلمين.

والذي أوقعه في هذا الخطإ ما توهمه أن لعنه تعالى إياهم بكفرهم لا يجوز أن يتخلف عن التأثير بإيمان بعضهم فقدر أن القلة وصف الإيمان وهي ما لا يعتد به من الإيمان حتى يستقيم قوله:"لعنهم الله بكفرهم"، وقد غفل عن أن هذه الخطابات وما تشتمل عليه من صفات الذم والمؤاخذات والتوبيخات كل ذلك متوجهة إلى المجتمعات من حيث الاجتماع ، فالذي لحقه اللعن والغضب والمؤاخذات العامة الأخرى إنما هو المجتمع اليهودي من حيث إنه مجتمع مكون فلا يؤمنون ولا يسعدون ولا يفلحون ، وهو كذلك إلى هذا اليوم وهم على ذلك إلى يوم القيامة.

وأما الاستثناء فإنما هو بالنسبة إلى الأفراد ، وخروج بعض الأفراد من الحكم المحتوم على المجتمع ليس نقضا لذلك الحكم ، والمحوج إلى هذا الاستثناء أن الأفراد بوجه هم المجتمع فقوله:"فلا يؤمنون"حيث نفي فيه الإيمان عن الأفراد - وإن كان ذلك نفيا عنهم من حيث جهة الاجتماع - وكان يمكن فيه أن يتوهم أن الحكم شامل لكل واحد واحد منهم بحيث لا يتخلص منه أحد استثني فقيل: إلا قليلا فالآية تجري مجرى قوله تعالى: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم: - النساء: 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت