قوله تعالى:"يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا"إلخ الطمس محو أثر الشيء ، والوجه ما يستقبلك من الشيء ويظهر منه ، وهو من الإنسان الجانب المقدم الظاهر من الرأس وما يستقبلك منه ، ويستعمل في الأمور المعنوية كما يستعمل في الأمور الحسية ، والأدبار جمع دبر بضمتين وهو القفا ، والمراد بأصحاب السبت قوم من اليهود كانوا يعدون في السبت فلعنهم الله ومسخهم ، قال تعالى: واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم: - الأعراف: 163 ، وقال تعالى: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها: - البقرة: 66.
وقد كانت الآيات السابقة - كما عرفت - متعرضة لحال اليهود أو لحال طائفة من اليهود ، وانجر القول إلى أنهم بإزاء ما خانوا الله ورسوله ، وأفسدوا صالح دينهم ابتلوا بلعنة من الله لحق جمعهم ، وسلبهم التوفيق للإيمان إلا قليلا فعم الخطاب لجميع أهل الكتاب - على ما يفيده قوله: يا أيها الذين أوتوا الكتاب - ودعاهم إلى الإيمان بالكتاب الذي نزله مصدقا لما معهم ، وأوعدهم بالسخط الذي يلحقهم لو تمردوا واستكبروا من غير عذر من طمس أو لعن يتبعانهم إتباعا لا ريب فيه.
وذلك ما ذكره بقوله: من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ، فطمس الوجوه محو هذه الوجوه التي يتوجه بها البشر نحو مقاصدها الحيوية مما فيه سعادة الإنسان المترقبة والمرجوة لكن لا المحو الذي يوجب فناء الوجوه وزوالها وبطلان آثارها بل محوا يوجب ارتداد تلك الوجوه على أدبارها فهي تقصد مقاصدها على الفطرة التي فطر عليها لكن لما كانت منصوبة إلى الأقفية ومردودة على الأدبار لا تقصد إلا ما خلفته وراءها ، ولا تمشي إليه إلا القهقرى.
وهذا الإنسان - وهو بالطبع والفطرة متوجه نحو ما يراه خيرا وسعادة لنفسه - كلما توجه إلى ما يراه خيرا لنفسه ، وصلاحا لدينه أو لدنياه لم ينل إلا شرا وفسادا ، وكلما بالغ في التقدم زاد في التأخر ، وليس يفلح أبدا.
وأما لعنهم كلعن أصحاب السبت فظاهره المسخ على ما تقدم من آيات أصحاب السبت التي تخبر عن مسخهم قردة.
وعلى هذا فلفظة"أو"في قوله: أو نلعنهم ، على ظاهرها من إفادة الترديد ، والفرق بين الوعيدين أن الأول أعني الطمس يوجب تغيير مقاصد المغضوب عليهم من غير تغيير الخلقة إلا في بعض كيفياتها ، والثاني أعني اللعن كلعن أصحاب السبت يوجب تغيير المقصد بتغيير الخلقة الإنسانية إلى خلقة حيوانية كالقردة.
فهؤلاء إن تمردوا عن الامتثال - وسوف يتمردون على ما تفيده خاتمة الآية - كان لهم إحدى سخطتين: إما طمس الوجوه ، وأما اللعن كلعن أصحاب السبت لكن الآية تدل على أن هذه السخطة لا تعمهم جميعهم حيث قال.
"وجوها"فأتى بالجمع المنكر ، ولو كان المراد هو الجميع لم ينكر ، ولتنكير الوجوه وعدم تعيينه نكتة أخرى هي أن المقام لما كان مقام الإيعاد والتهديد ، وهو إيعاد للجماعة بشر لا يحلق إلا ببعضهم كان إبهام الأفراد الذين يقع عليهم السخط الإلهي أوقع في الإنذار والتخويف لأن وصفهم على إبهامه يقبل الانطباق على كل واحد واحد من القوم فلا يأمن أحدهم أن يمسه هذا العذاب البئيس ، وهذه الصناعة شائعة في اللسان في مقام التهديد والتخويف.
وفي قوله تعالى: أو نلعنهم ، حيث أرجع فيه ضمير"هم"الموضوع لأولي العقل إلى قوله:"وجوها"كما هو الظاهر تلويحا أو تصريحا بأن المراد بالوجوه الأشخاص من حيث استقبالهم مقاصدهم ، وبذلك يضعف احتمال أن يكون المراد بطمس الوجوه وردها على أدبارها تحويل وجوه الأبدان إلى الأقفية كما قال به بعضهم ، ويقوى بذلك احتمال أن المراد من تحويل الوجوه إلى الأدبار تحويل النفوس من حال استقامة الفكر ، وإدراك الواقعيات على واقعيتها إلى حال الاعوجاج والانحطاط الفكري بحيث لا يشاهد حقا إلا أعرض عنه واشمأز منه ، ولا باطلا إلا مال إليه وتولع به.
وهذا نوع من التصرف الإلهي مقتا ونقمة نظير ما يدل عليه قوله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون:"الأنعام: 110".