فتبين مما مر أن المراد بطمس الوجوه في الآية نوع تصرف إلهي في النفوس يوجب تغيير طباعها من مطاوعة الحق وتجنب الباطل إلى اتباع الباطل والاحتراز عن الحق في باب الإيمان بالله وآياته كما يؤيده صدر الآية: آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس إلخ ، وكذا تبين أن المراد باللعن المذكور فيها المسخ.
وربما قيل: إن المراد بالطمس تحويل وجوه قوم إلى أقفيتهم ويكون ذلك في آخر الزمان أو يوم القيامة ، وفيه: أن قوله:"أو نلعنهم"ينافي ذلك كما تقدم بيانه.
وربما قيل: إن المراد بالطمس الخذلان الدنيوي فلا يزالون على ذلة ونكبة لا يقصدون غاية ذات سعادة إلا بدلها الله عليهم سرابا لا خير فيه ، وفيه: أنه وإن كان لا يبعد كل البعد لكن صدر الآية - كما تقدم - ينافيه.
وربما قيل: إن المراد به إجلاؤهم وردهم ثانيا إلى حيث خرجوا منه ، وقد أخرجوا من الحجاز إلى أرض الشام وفلسطين ، وقد جاءوا منهما ، وفيه أن صدر الآية بسياقه يؤيد غير ذلك كما عرفته.
نعم من الممكن أن يقال: إن المراد به تقليب أفئدتهم ، وطمس وجوه باطنهم من الحق إلى نحو الباطل فلا يفلحون بالإيمان بالله وآياته ، ثم إن الدين الحق لما كان هو الصراط الذي لا ينجح إنسان في سعادة حياته الدنيا إلا بركوبه والاستواء عليه ، وليس للناكب عنه إلا الوقوع في كانون الفساد ، والسقوط في مهابط الهلاك ، قال تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا:"الروم: 41"، وقال تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ، ولكن كذبوا فأخذناهم:"الأعراف: 96"ولازم هذه الحقيقة أن طمس الوجوه عن المعارف الحقة الدينية طمس لها عن حقائق سعادة الحياة الدنيا بجميع أقسامها فالمحروم من سعادة الدين محروم من سعادة الدنيا من استقرار الحال وتمهد الأمن وسؤدد الاستقلال والملك ، وكل ما يطيب به العيش ، ويدر به ضرع العمل اللهم إلا على قدر ما نسرب المواد الدينية في مجتمعهم وعلى هذا فلا بأس بالجمع بين الوجوه المذكورة جلها أو كلها.
قوله تعالى:"و كان أمر الله مفعولا"إشارة إلى أن الأمر لا محالة واقع ، وقد وقع على ما ذكره الله في كتابه من لعنهم وإنزال السخط عليهم ، وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة ، وغير ذلك في آيات كثيرة.
قوله تعالى:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"ظاهر السياق أن الآية في مقام التعليل للحكم المذكور في الآية السابقة أعني قوله: آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس إلخ ، فيعود المعنى إلى مثل قولنا: فإنكم إن لم تؤمنوا به كنتم بذلك مشركين ، والله لا يغفر أن يشرك به فيحل عليكم غضبه وعقوبته فيطمس وجوهكم بردها على أدبارها أو يلعنكم فنتيجة عدم المغفرة هذه ترتب آثار الشرك الدنيوية من طمس أو لعن عليه.
وهذا هو الفرق بين مضمون هذه الآية ، وقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا:"النساء: 116"، فإن هذه الآية آية 48 ، تهدد بآثار الشرك الدنيوية ، وتلك آية 116 ، تهدد بآثاره الأخروية ، وذلك بحسب الانطباق على المورد وإن كانتا بحسب الإطلاق كلتاهما شاملتين لجميع الآثار.
ومغفرته سبحانه وعدم مغفرته لا يقع شيء منهما وقوعا جزافيا بل على وفق الحكمة ، وهو العزيز الحكيم ، فأما عدم مغفرته للشرك فإن الخلقة إنما تثبت على ما فيها من الرحمة على أساس العبودية والربوبية ، قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون:"الذاريات: 56"، ولا عبودية مع شرك ، وأما مغفرته لسائر المعاصي والذنوب التي دون الشرك فلشفاعة من جعل له الشفاعة من الأنبياء والأولياء والملائكة والأعمال الصالحة على ما مر تفصيله في بحث الشفاعة في الجزء الأول من هذا الكتاب.
وأما التوبة فالآية غير متعرضة لشأنها من حيث خصوص مورد الآية لأن موردها عدم الإيمان ولا توبة معه ، على أن التوبة يغفر معها جميع الذنوب حتى الشرك ، قال تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم:"الزمر: 54".