فهرس الكتاب

الصفحة 861 من 4314

و المراد بالشرك في الآية ما يعم الكفر لا محالة فإن الكافر أيضا لا يغفر له البتة وإن لم يصدق عليه المشرك بعنوان التسمية بناء على أن أهل الكتاب لا يسمون في القرآن مشركين وإن كان كفرهم بالقرآن وبما جاء به النبي شركا منهم أشركوا به راجع تفسير آية 221 من البقرة ، وإذا لم يؤمن أهل الكتاب بما نزل الله مصدقا لما معهم فقد كفروا به ، وأشركوا ما في أيديهم بالله سبحانه فإنه شيء لا يريده الله على الصفة التي أخذوه بها فالمؤمن بموسى (عليه السلام) إذا كفر بالمسيح (عليه السلام) فقد كفر بالله وأشرك به موسى ، ولعل ما ذكرناه هو النكتة لقوله تعالى: أن يشرك به دون أن يقول: المشرك أو المشركين.

وقوله تعالى:"لمن يشاء"تقييد للكلام لدفع توهم أن لأحد من الناس تأثيرا فيه تعالى يوجب به عليه المغفرة فيحكم عليه تعالى حاكم أو يقهره قاهر ، وتعليق الأمور الثابتة في القرآن على المشيئة كثير والوجه في كلها أو جلها دفع ما ذكرناه من التوهم كقوله تعالى: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ:"هود: 108".

على أن من الحكمة ألا يغفر لكل مذنب ذنبه وإلا لغا الأمر والنهي ، وبطل التشريع ، وفسد أمر التربية الإلهية ، وإليه الإشارة بقوله: لمن يشاء ، ومن هنا يظهر أن كل واحد من المعاصي لا بد أن لا يغفر بعض أفراده وإلا لغا النهي عنه ، وهذا لا ينافي عموم لسان آيات أسباب المغفرة فإن الكلام في الوقوع دون الوعد على وجه الإطلاق ، ومن المعاصي ما يصدر عمن لا يغفر له بشرك ونحوه.

فمعنى الآية أنه تعالى لا يغفر الشرك من كافر ولا مشرك ، ويغفر سائر الذنوب دون الشرك بشفاعة شافع من عباده أو عمل صالح ، وليس هو تعالى مقهورا أن يغفر كل ذنب من هذه الذنوب لكل مذنب بل له أن يغفر وله أن لا يغفر ، كل ذلك لحكمة.

قوله تعالى:"أ لم تر إلى الذين يزكون أنفسهم"قال الراغب: أصل الزكاة النمو الحاصل من بركة الله تعالى - إلى أن قال -: وتزكية الإنسان نفسه ضربان: أحدهما: بالفعل وهو محمود ، وإليه قصد بقوله: قد أفلح من تزكى ، والثاني بالقول كتزكيته لعدل غيره ، وذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه ، وقد نهى الله تعالى عنه فقال: لا تزكوا أنفسكم ، ونهيه عن ذلك تأديب لقبح مدح الإنسان نفسه عقلا وشرعا ، ولهذا قيل لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقا؟ فقال: مدح الرجل نفسه ، انتهى كلامه.

ولما كانت الآية في ضمن الآيات المسرودة للتعرض لحال أهل الكتاب كان الظاهر أن هؤلاء المزكين لأنفسهم هم أهل الكتاب أو بعضهم ، ولم يوصفوا بأهل الكتاب لأن العلماء بالله وآياته لا ينبغي لهم أن يتلبسوا بأمثال هذه الرذائل فالإصرار عليها انسلاخ عن الكتاب وعلمه.

ويؤيده ما حكاه الله تعالى عن اليهود من قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه:"المائدة: 18"، وقولهم: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة:"البقرة: 80"وزعمهم الولاية كما في قوله تعالى: قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس:"الجمعة: 6"، فالآية تكني عن اليهود ، وفيها استشهاد لما تقدم ذكره في الآيات السابقة من استكبارهم عن الخضوع للحق واتباعه ، والإيمان بآيات الله سبحانه ، واستقرار اللعن الإلهي فيهم ، وأن ذلك من لوازم إعجابهم بأنفسهم وتزكيتهم لها.

قوله تعالى:"بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا"إضراب عن تزكيتهم لأنفسهم ، ورد لهم فيما زكوه ، وبيان أن ذلك من شئون الربوبية يختص به تعالى فإن الإنسان وإن أمكن أن يتصف بفضائل ، ويتلبس بأنواع الشرف والسؤدد المعنوي غير أن اعتناءه بذلك واعتماده عليه لا يتم إلا بإعطائه لنفسه استغناء واستقلالا وهو في معنى دعوى الألوهية والشركة مع رب العالمين ، وأين الإنسان الفقير الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة والاستغناء عن الله سبحانه في خير أو فضيلة؟ والإنسان في نفسه وفي جميع شئون نفسه ، والخير الذي يزعم أنه يملكه ، وجميع أسباب ذلك الخير ، مملوك لله سبحانه محضا من غير استثناء ، فما ذا يبقى للإنسان؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت