فهرس الكتاب

الصفحة 871 من 4314

فإن ذلك ظاهر تفريع قوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ، ثم العود بعد العود إلى هذا المعنى بقوله: أ لم تر إلى الذين يزعمون إلخ ، وقوله: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله إلخ ، وقوله: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم إلخ.

ولا ينبغي أن يرتاب في أن الله سبحانه لا يريد بإطاعته إلا إطاعته في ما يوحيه إلينا من طريق رسوله من المعارف والشرائع ، وأما رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فله حيثيتان: إحداهما: حيثية التشريع بما يوحيه إليه ربه من غير كتاب ، وهو ما يبينه للناس من تفاصيل ما يشتمل على إجماله الكتاب وما يتعلق ويرتبط بها كما قال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم: - النحل 44 ، والثانية: ما يراه من صواب الرأي وهو الذي يرتبط بولايته الحكومة والقضاء قال تعالى: لتحكم بين الناس بما أراك الله: - النساء 105 ، وهذا هو الرأي الذي كان يحكم به على ظواهر قوانين القضاء بين الناس ، وهو الذي كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يحكم به في عزائم الأمور ، وكان الله سبحانه أمره في اتخاذ الرأي بالمشاورة فقال:"و شاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله -: آل عمران 159 ، فأشركهم به في المشاورة ووحده في العزم."

إذا عرفت هذا علمت أن لإطاعة الرسول معنى ولإطاعة الله سبحانه معنى آخر وإن كان إطاعة الرسول إطاعة لله بالحقيقة لأن الله هو المشرع لوجوب إطاعته كما قال:"و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله"فعلى الناس أن يطيعوا الرسول فيما يبينه بالوحي ، وفيما يراه من الرأي.

وهذا المعنى والله أعلم هو الموجب لتكرار الأمر بالطاعة في قوله: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، لا ما ذكره المفسرون: أن التكرار للتأكيد فإن القصد لو كان متعلقا بالتأكيد كان ترك التكرار كما لو قيل: وأطيعوا الله والرسول أدل عليه وأقرب منه فإنه كان يفيد أن إطاعة الرسول عين إطاعة الله سبحانه وأن الإطاعتين واحدة ، وما كل تكرار يفيد التأكيد.

وأما أولوا الأمر فهم - كائنين من كانوا - لا نصيب لهم من الوحي ، وإنما شأنهم الرأي الذي يستصوبونه فلهم افتراض الطاعة نظير ما للرسول في رأيهم وقولهم ، ولذلك لما ذكر وجوب الرد والتسليم عند المشاجرة لم يذكرهم بل خص الله والرسول فقال: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وذلك أن المخاطبين بهذا الرد هم المؤمنون المخاطبون بقوله في صدر الآية: يا أيها الذين آمنوا ، والتنازع تنازعهم بلا ريب ، ولا يجوز أن يفرض تنازعهم مع أولي الأمر مع افتراض طاعتهم بل هذا التنازع هو ما يقع بين المؤمنين أنفسهم ، وليس في أمر الرأي بل من حيث حكم الله في القضية المتنازع فيها بقرينة الآيات التالية الذامة لمن يرجع إلى حكم الطاغوت دون حكم الله ورسوله ، وهذا الحكم يجب الرجوع فيه إلى أحكام الدين المبينة المقررة في الكتاب والسنة ، والكتاب والسنة حجتان قاطعتان في الأمر لمن يسعه فهم الحكم منهما ، وقول أولي الأمر في أن الكتاب والسنة يحكمان بكذا أيضا حجة قاطعة فإن الآية تقرر افتراض الطاعة من غير أي قيد أو شرط ، والجميع راجع بالآخرة إلى الكتاب والسنة.

ومن هنا يظهر أن ليس لأولي الأمر هؤلاء - كائنين من كانوا - أن يضعوا حكما جديدا ، ولا أن ينسخوا حكما ثابتا في الكتاب والسنة ، وإلا لم يكن لوجوب إرجاع موارد التنازع إلى الكتاب والسنة والرد إلى الله والرسول معنى على ما يدل عليه قوله: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا: - الأحزاب 36 ، فقضاء الله هو التشريع وقضاء رسوله إما ذلك وإما الأعم ، وإنما الذي لهم أن يروا رأيهم في موارد نفوذ الولاية ، وأن يكشفوا عن حكم الله ورسوله في القضايا والموضوعات العامة.

وبالجملة لما لم يكن لأولي الأمر هؤلاء خيرة في الشرائع ، ولا عندهم إلا ما لله ورسوله من الحكم أعني الكتاب والسنة لم يذكرهم الله سبحانه ثانيا عند ذكر الرد بقوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ، فلله تعالى إطاعة واحدة ، وللرسول وأولي الأمر إطاعة واحدة ، ولذلك قال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت