فهرس الكتاب

الصفحة 872 من 4314

و لا ينبغي أن يرتاب في أن هذه الإطاعة المأمور بها في قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، إطاعة مطلقة غير مشروطة بشرط ، ولا مقيدة بقيد وهو الدليل على أن الرسول لا يأمر بشيء ، ولا ينهى عن شيء يخالف حكم الله في الواقعة وإلا كان فرض طاعته تناقضا منه تعالى وتقدس ولا يتم ذلك إلا بعصمة فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وهذا الكلام بعينه جار في أولي الأمر غير أن وجود قوة العصمة في الرسول لما قامت عليه الحجج من جهة العقل والنقل في حد نفسه من غير جهة هذه الآية دون أولي الأمر ظاهرا أمكن أن يتوهم متوهم أن أولي الأمر هؤلاء لا يجب فيهم العصمة ولا يتوقف عليها الآية في استقامة معناها.

بيان ذلك أن الذي تقرره الآية حكم مجعول لمصلحة الأمة يحفظ به مجتمع المسلمين من تسرب الخلاف والتشتت فيهم وشق عصاهم فلا يزيد على الولاية المعهودة بين الأمم والمجتمعات ، تعطي للواحد من الإنسان افتراض الطاعة ونفوذ الكلمة ، وهم يعلمون أنه ربما يعصي وربما يغلط في حكمه ، لكن إذا علم بمخالفته القانون في حكمه لا يطاع فيه ، وينبه فيما أخطأ ، وفيما يحتمل خطؤه ينفذ حكمه وإن كان مخطئا في الواقع ولا يبالي بخطئه فإن مصلحة حفظ وحدة المجتمع والتحرز من تشتت الكلمة مصلحة يتدارك بها أمثال هذه الأغلاط والاشتباهات.

وهذا حال أولي الأمر الواقع في الآية في افتراض طاعتهم فرض الله طاعتهم ، على المؤمنين فإن أمروا بما يخالف الكتاب والسنة فلا يجوز ذلك منهم ولا ينفذ حكمهم لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"وقد روى هذا المعنى الفريقان وبه يقيد إطلاق الآية ، وأما الخطأ والغلط فإن علم به رد إلى الحق وهو حكم الكتاب والسنة ، وإن احتمل خطؤه نفذ فيه حكمه كما فيما علم عدم خطإه ، ولا بأس بوجوب القبول وافتراض الطاعة فيما يخالف الواقع هذا النوع لأن مصلحة حفظ الوحدة في الأمة وبقاء السؤدد والأبهة تتدارك بها هذه المخالفة ، ويعود إلى مثل ما تقرر في أصول الفقه من حجية الطرق الظاهرية مع بقاء الأحكام الواقعية على حالها ، وعند مخالفة مؤداها للواقع تتدارك المفسدة اللازمة بمصلحة الطريق.

وبالجملة طاعة أولي الأمر مفترضة وإن كانوا غير معصومين يجوز عليهم الفسق والخطأ فإن فسقوا فلا طاعة لهم ، وإن أخطئوا ردوا إلى الكتاب والسنة إن علم منهم ذلك ، ونفذ حكمهم فيما لم يعلم ذلك ، ولا بأس بإنفاذ ما يخالف حكم الله في الواقع دون الظاهر رعاية لمصلحة الإسلام والمسلمين ، وحفظا لوحدة الكلمة.

وأنت بالتأمل فيما قدمناه من البيان تعرف سقوط هذه الشبهة من أصلها ، وذلك أن هذا التقريب من الممكن أن نساعده في تقييد إطلاق الآية في صورة الفسق بما ذكر من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"وما يؤدي هذا المعنى من الآيات القرآنية كقوله: إن الله لا يأمر بالفحشاء:"الأعراف: 28"، وما في هذا المعنى من الآيات.

وكذا من الممكن بل الواقع أن يجعل شرعا نظير هذه الحجية الظاهرية المذكورة كفرض طاعة أمراء السرايا الذين كان ينصبهم عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكذا الحكام الذين كان يوليهم على البلاد كمكة واليمن أو يخلفهم بالمدينة إذا خرج إلى غزاة ، وكحجية قول المجتهد على مقلده وهكذا لكنه لا يوجب تقيد الآية فكون مسألة من المسائل صحيحة في نفسه أمر وكونها مدلولا عليها بظاهر آية قرآنية أمر آخر.

فالآية تدل على افتراض طاعة أولي الأمر هؤلاء ، ولم تقيده بقيد ولا شرط ، وليس في الآيات القرآنية ما يقيد الآية في مدلولها حتى يعود معنى قوله"و أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"إلى مثل قولنا: وأطيعوا أولي الأمر منكم فيما لم يأمروا بمعصية أو لم تعلموا بخطئهم فإن أمروكم بمعصية فلا طاعة عليكم ، وإن علمتم خطأهم فقوموهم بالرد إلى الكتاب والسنة فما هذا معنى قوله: وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت