مع أن الله سبحانه أبان ما هو أوضح من هذا القيد فيما هو دون هذه الطاعة المفترضة كقوله في الوالدين: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما الآية:"العنكبوت: 8"فما باله لم يظهر شيئا من هذه القيود في آية تشتمل على أس أساس الدين ، وإليها تنتهي عامة أعراق السعادة الإنسانية.
على أن الآية جمع فيها بين الرسول وأولي الأمر ، وذكر لهما معا طاعة واحدة فقال: وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، ولا يجوز على الرسول أن يأمر بمعصية أو يغلط في حكم فلو جاز شيء من ذلك على أولي الأمر لم يسع إلا أن يذكر القيد الوارد عليهم فلا مناص من أخذ الآية مطلقة من غير أي تقييد ، ولازمه اعتبار العصمة في جانب أولي الأمر كما اعتبر في جانب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير فرق.
ثم إن المراد بالأمر في أولي الأمر هو الشأن الراجع إلى دين المؤمنين المخاطبين بهذا الخطاب أو دنياهم على ما يؤيده قوله تعالى: وشاورهم في الأمر:"آل عمران: 159"، وقوله في مدح المتقين: وأمرهم شورى بينهم:"الشورى: 38"، وإن كان من الجائز بوجه أن يراد بالأمر ما يقابل النهي لكنه بعيد.
وقد قيد بقوله:"منكم"وظاهره كونه ظرفا مستقرا أي أولي الأمر كائنين منكم وهو نظير قوله تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم:"الجمعة: 2"، وقوله في دعوة إبراهيم: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم:"البقرة: 129"، وقوله: رسلا منكم يقصون عليكم آياتي:"الأعراف: 35"، وبهذا يندفع ما ذكره بعضهم: أن تقييد أولي الأمر بقوله:"منكم"يدل على أن الواحد منهم إنسان عادي مثلنا وهم منا ونحن مؤمنون من غير مزية عصمة إلهية.
ثم إن أولي الأمر لما كان اسم جمع يدل على كثرة جمعية في هؤلاء المسمين بأولي الأمر فهذا لا شك فيه لكن يحتمل في بادىء النظر أن يكونوا آحادا يلي الأمر ويتلبس بافتراض الطاعة واحد منهم بعد الواحد فينسب افتراض الطاعة إلى جميعهم بحسب اللفظ ، والأخذ بجامع المعنى ، كقولنا: صل فرائضك وأطع سادتك وكبراء قومك.
ومن عجيب الكلام ما ذكره الرازي: أن هذا المعنى يوجب حمل الجمع على المفرد ، وهو خلاف الظاهر ، وقد غفل عن أن هذا استعمال شائع في اللغة ، والقرآن مليء به كقوله تعالى: فلا تطع المكذبين:"القلم: 8"، وقوله: فلا تطع الكافرين:"الفرقان: 52"، وقوله: إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا:"الأحزاب: 67"، وقوله: ولا تطيعوا أمر المسرفين:"الشعراء: 151"، وقوله: حافظوا على الصلوات:"البقرة: 238"، وقوله: واخفض جناحك للمؤمنين:"الحجر: 88"، إلى غير ذلك من الموارد المختلفة بالإثبات والنفي ، والإخبار والإنشاء.
والذي هو خلاف الظاهر من حمل الجمع على المفرد هو أن يطلق لفظ الجمع ويراد به واحد من آحاده لا أن يوقع حكم على الجمع بحيث ينحل إلى أحكام متعددة بتعدد الآحاد ، كقولنا: أكرم علماء بلدك أي أكرم هذا العالم ، وأكرم ذاك العالم ، وهكذا.
ويحتمل أيضا أن يكون المراد بأولي الأمر - هؤلاء الذين هم متعلق افتراض الطاعة - الجمع من حيث هو جمع أي الهيئة الحاصلة من عدة معدودة كل واحد منهم من أولي الأمر ، وهو أن يكون صاحب نفوذ في الناس ، وذا تأثير في أمورهم كرؤساء الجنود والسرايا والعلماء وأولياء الدولة ، وسراة القوم ، بل كما ذكره في المنار هم أهل الحل والعقد الذين تثق بهم الأمة من العلماء والرؤساء في الجيش والمصالح العامة كالتجارة والصناعات والزراعة وكذا رؤساء العمال والأحزاب ، ومديرو الجرائد المحترمة ، ورؤساء تحريرها! فهذا معنى كون أولي الأمر هم أهل الحل والعقد ، وهم الهيئة الاجتماعية من وجوه الأمة لكن الشأن في تطبيق مضمون تمام الآية على هذا الاحتمال.
الآية دالة - كما عرفت - على عصمة أولي الأمر وقد اضطر إلى قبول ذلك القائلون بهذا المعنى من المفسرين.