فهرس الكتاب

الصفحة 874 من 4314

فهل المتصف بهذه العصمة أفراد هذه الهيئة فيكون كل واحد واحد منهم معصوما فالجميع معصوم إذ ليس المجموع إلا الآحاد؟ لكن من البديهي أن لم يمر بهذه الأمة يوم يجتمع فيه جماعة من أهل الحل والعقد كلهم معصومون على إنفاذ أمر من أمور الأمة ومن المحال أن يأمر الله بشيء لا مصداق له في الخارج ، أو أن هذه العصمة - وهي صفة حقيقية - قائمة بتلك الهيئة قيام الصفة بموصوفها وإن كانت الأجزاء والأفراد غير معصومين بل يجوز عليهم من الشرك والمعصية ما يجوز على سائر أفراد الناس فالرأي الذي يراه الفرد يجوز فيه الخطأ وأن يكون داعيا إلى الضلال والمعصية بخلاف ما إذا رأته الهيئة المذكورة لعصمتها؟ وهذا أيضا محال وكيف يتصور اتصاف موضوع اعتباري بصفة حقيقية أعني اتصاف الهيئة الاجتماعية بالعصمة.

أو أن عصمة هذه الهيئة ليست وصفا لأفرادها ولا لنفس الهيئة بل حقيقته أن الله يصون هذه الهيئة أن تأمر بمعصية أو ترى رأيا فتخطىء فيه ، كما أن الخبر المتواتر مصون عن الكذب ، ومع ذلك ليست هذه العصمة بوصف لكل واحد من المخبرين ولا للهيئة الاجتماعية بل حقيقته أن العادة جارية على امتناع الكذب فيه ، وبعبارة أخرى هو تعالى يصون الخبر الذي هذا شأنه عن وقوع الخطإ فيه وتسرب الكذب عليه ، فيكون رأي أولي الأمر مما لا يقع فيه الخطأ البتة وإن لم يكن آحادهم ولا هيئتهم متصفة بصفة زائدة بل هو كالخبر المتواتر مصون عن الكذب والخطإ وليكن هذا معنى العصمة في أولي الأمر ، والآية لا تدل على أزيد من أن رأيهم غير خابط بل مصيب يوافق الكتاب والسنة ، وهو من عناية الله على الأمة ، وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: لا تجتمع أمتي على خطإ.

أما الرواية فهي أجنبية عن المورد فإنها إن صحت فإنما تنفي اجتماع الأمة على خطإ ، ولا تنفي اجتماع أهل الحل والعقد منهم على خطإ ، وللأمة معنى ولأهل الحل والعقد معنى آخر ، ولا دليل على إرادة معنى الثاني من لفظ الأول ، وكذا لا تنفي الخطأ عن اجتماع الأمة بل تنفي الاجتماع على خطإ ، وبينهما فرق.

ويعود معنى الرواية إلى أن الخطأ في مسألة من المسائل لا يستوعب الأمة بل يكون دائما فيهم من هو على الحق: إما كلهم أو بعضهم ولو معصوم واحد ، فيوافق ما دل من الآيات والروايات على أن دين الإسلام وملة الحق لا يرتفع من الأرض بل هو باق إلى يوم القيامة ، قال تعالى: فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين:"الأنعام: 89"وقوله: وجعلها كلمة باقية في عقبه:"الزخرف: 28"وقوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون:"الحجر: 9"وقوله: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:"فصلت: 42"إلى غير ذلك من الآيات.

وليس يختص هذا بأمة محمد بل الصحيح من الروايات تدل على خلافه ، وهي الروايات الواردة من طرق شتى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الدالة على افتراق اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، والمسلمين على ثلاث وسبعين فرقة كلهم هالك إلا واحدة ، وقد نقلنا الرواية في المبحث الروائي الموضوع في ذيل قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا:"آل عمران: 103".

وبالجملة لا كلام على متن الرواية إن صح سندها فإنها أجنبية عن مورد الكلام ، وإنما الكلام في معنى عصمة أهل الحل والعقد من الأمة لو كان هو المراد بقوله: وأولي الأمر منكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت