فهرس الكتاب

الصفحة 875 من 4314

ما هو العامل الموجب لعصمة أهل الحل والعقد من المسلمين فيما يرونه من الرأي؟ هذه العصابة التي شأنها الحل والعقد في الأمور غير مختصة بالأمة المسلمة بل كل أمة من الأمم العظام بل الأمم الصغيرة بل القبائل والعشائر لا تفقد عدة من أفرادها لهم مكانة في مجتمعهم ذات قوة وتأثير في الأمور العامة ، وأنت إذا فحصت التاريخ في الحوادث الماضية وما في عصرنا من الأمم والأجيال وجدت موارد كثيرة اجتمعت أهل الحل والعقد منهم في مهام الأمور وعزائمها على رأي استصوبوه ثم عقبوه بالعمل ، فربما أصابوا وربما أخطئوا ، فالخطأ وإن كان في الآراء الفردية أكثر منه في الآراء الاجتماعية لكن الآراء الاجتماعية ليست بحيث لا تقبل الخطأ أصلا فهذا التاريخ وهذه المشاهدة يشهدان منه على مصاديق وموارد كثيرة جدا: فلو كان الرأي الاجتماعي من أهل الحل والعقد في الإسلام مصونا عن الخطإ فإنما هو بعامل ليس من سنخ العوامل العادية بل عامل من سنخ العوامل المعجزة الخارقة للعادة ، ويكون حينئذ كرامة باهرة تختص بها هذه الأمة تقيم صلبهم ، وتحفظ حماهم وتقيهم من كل شر يدب في جماعتهم ووحدتهم وبالآخرة سببا معجزا إلهيا يتلو القرآن الكريم ، ويعيش ما عاش القرآن ، نسبته إلى حياة الأمة العملية نسبة القرآن إلى حياتهم العلمية فكان من اللازم أن يبين القرآن حدوده وسعة دائرته ، ويمتن الله به كما أمتن بالقرآن وبمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويبين لهذه العصابة وظيفتهم الاجتماعية كما بين لنبيه ذلك ، وأن يوصي به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمته ، ولا سيما أصحابه الكرام وهم الذين صاروا بعده أهلا للحل والعقد ، وتقلدوا ولاية أمور الأمة ، وأن يبين أن هذه العصابة المسماة بأولي الأمر ما حقيقتها ، وما حدها وما سعة دائرة عملها ، وهل يتشكل هيئة حاكمة واحدة على جميع المسلمين في الأمور العامة لجميع الأمة الإسلامية؟ أو تنعقد في كل جمعية إسلامية جمعية أولي الأمر فيحكم في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم؟.

ولكان من اللازم أن يهتم به المسلمون ولا سيما الصحابة فيسألوا عنه ويبحثوا فيه ، وقد سألوا عن أشياء لا قدر لها بالنسبة إلى هذه المهمة كالأهلة ، وما ذا ينفقون ، والأنفال قال تعالى:"يسألونك عن الأهلة"و"و يسألونك ما ذا ينفقون"و"يسألونك عن الأنفال"فما بالهم لم يسألوا؟ أو أنهم سألوا ثم لعبت به الأيدي فخفي علينا؟ فليس الأمر مما يخالف هوى أكثرية الأمة الجارية على هذه الطريقة حتى يقضوا عليه بالإعراض فالترك حتى ينسى.

ولكان من الواجب أن يحتج به في الاختلافات والفتن الواقعة بعد ارتحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينا بعد حين ، فما لهذه الحقيقة لا توجد لها عين ولا أثر في احتجاجاتهم ومناظراتهم ، وقد ضبطها النقلة بكلماتها وحروفها ، ولا توجد في خطاب ولا كتاب؟ ولم تظهر بين قدماء المفسرين من الصحابة والتابعين حتى ذهب إليه شرذمة من المتأخرين: الرازي وبعض من بعده!.

حتى أن الرازي أورد على هذا الوجه بعد ذكره: بأنه مخالف للإجماع المركب فإن الأقوال في معنى أولي الأمر لا تجاوز أربعة: الخلفاء الراشدون ، وأمراء السرايا ، والعلماء والأئمة المعصومون ، فالقول الخامس خرق للإجماع ، ثم أجاب بأنه في الحقيقة راجع إلى القول الثالث فأفسد على نفسه ما كان أصلحه فهذا كله يقضي بأن الأمر لم يكن بهذه المثابة ، ولم يفهم منه أنه عطية شريفة وموهبة عزيزة من معجزات الإسلام وكراماته الخارقة لأهل الحل والعقد من المسلمين.

أو يقال: إن هذه العصمة لا تنتهي إلى عامل خارق للعادة بل الإسلام بنى تربيته العامة على أصول دقيقة تنتج هذه النتيجة: أن أهل الحل والعقد من الأمة لا يغلطون فيما اجتمعوا عليه ، ولا يعرضهم الخطأ فيما رأوه.

وهذا الاحتمال مع كونه باطلا من جهة منافاته للناموس العام وهو أن إدراك الكل هو مجموع إدراكات الأبعاض ، وإذا جاز الخطأ على كل واحد واحد جاز على الكل يرد عليه أن رأي أولي الأمر بهذا المعنى لو اعتمد في صحته وعصمته على مثل هذا العامل غير المغلوب لم يتخلف عن أثره فإلى أين تنتهي هذه الأباطيل والفسادات التي ملأت العالم الإسلامي؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت