و كم من منتدى إسلامي بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اجتمع فيه أهل الحل والعقد من المسلمين على ما اجتمعوا عليه ثم سلكوا طريقا يهديهم إليه رأيهم فلم يزيدوا إلا ضلالا ولم يزد إسعادهم المسلمين إلا شقاء ولم يمكث الاجتماع الديني بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن عاد إلى إمبراطورية ظالمة حاطمة! فليبحث الباحث الناقد في الفتن الناشئة منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما استتبعته من دماء مسفوكة ، وأعراض مهتوكة ، وأموال منهوبة ، وأحكام عطلت وحدود أبطلت! ثم ليبحث في منشئها ومحتدها ، وأصولها وأعراقها هل تنتهي الأسباب العاملة فيها إلا إلى ما رأته أهل الحل والعقد من الأمة ثم حملوا ما رأوه على أكتاف الناس؟.
فهذا حال هذا الركن الركين الذي يعتمد عليه بناية الدين أعني رأي أهل الحل والعقد لو كان هو المراد بأولي الأمر المعصومين في رأيهم.
فلا مناص على القول بأن المراد بأولي الأمر أهل الحل والعقد من أن نقول بجواز خطئهم وإنهم على حد سائر الناس يصيبون ويخطئون غير أنهم لما كانوا عصابة فاضلة خبيرة بالأمور مدربين مجربين يقل خطؤهم جدا ، وأن الأمر بوجوب طاعتهم مع كونهم ربما يغلطون ويخطئون من باب المسامحة في موارد الخطإ نظرا إلى المصلحة الغالبة في مداخلتهم فلو حكموا بما يغاير حكم الكتاب والسنة ، ويطابق ما شخصوه من مصلحة الأمة بتفسير حكم من أحكام الدين بغير ما كان يفسر سابقا أو تغيير حكم بما يوافق صلاح الوقت أو طبع الأمة أو وضع حاضر الدنيا كان هو المتبع ، وهو الذي يرتضيه الدين لأنه لا يريد إلا سعادة المجتمع ورقيه في اجتماعه كما هو الظاهر المتراءى من سير الحكومات الإسلامية في صدر الإسلام ومن دونهم فلم يمنع حكم من الأحكام الدائرة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يقض على سيرة من سيره وسننه إلا علل ذلك بأن الحكم السابق يزاحم حقا من حقوق الأمة ، وأن صلاح حال الأمة في إنفاذ حكم جديد يصلح شأنهم ، أو سن سنة حديثة توافق آمالهم في سعادة الحياة ، وقد صرح بعض الباحثين أن الخليفة له أن يعمل بما يخالف صريح الدين حفظا لصلاح الأمة.
وعلى هذا فيكون حال الملة الإسلامية حال سائر المجتمعات الفاضلة المدنية في أن فيها جمعية منتخبة تحكم على قوانين المجتمع على حسب ما تراه وتشاهده من مقتضيات الأحوال ، وموجبات الأوضاع.
وهذا الوجه أو القول - كما ترى - قول من يرى أن الدين سنة اجتماعية سبكت في قالب الدين ، وظهرت في صورته فهو محكوم بما يحكم على متون الاجتماعات البشرية وهياكلها بالتطور في أطوار الكمال التدريجي ، ومثال عال لا ينطبق إلا على حياة الإنسان الذي كان يعيش في عصر النبوة وما يقاربه.
فهي حلقة متقضية من حلق هذه السلسلة المسماة بالمجتمع الإنساني لا ينبغي أن يبحث عنها اليوم إلا كما يبحث علماء طبقات الأرض الجيولوجيا عن السلع المستخرجة من تحت أطباق الأرض.
والذي يذهب إلى مثل هذا القول لا كلام لنا معه في هذه الآية: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم الآية ، فإن القول يبتني على أصل مؤثر في جميع الأصول والسنن المأثورة من الدين من معارف أصلية ونواميس أخلاقية وأحكام فرعية ولو حمل على هذا ما وقع من الصحابة في زمن النبي وفي مرض موته ثم الاختلافات التي صدرت منهم وما وقع من تصرف الخلفاء في بعض الأحكام وبعض سير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم في زمن معاوية ومن تلاه من الأمويين ثم العباسيين ثم الذين يلونهم والجميع أمور متشابهة أنتج نتيجة باهتة.
ومن أعجب الكلام المتعلق بهذه الآية ما ذكره بعض المؤلفين أن قوله تعالى:"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"لا يدل على شيء مما ذكره المفسرون على اختلاف أقوالهم.
أما أولا فلأن فرض طاعة أولي الأمر كائنين من كانوا لا يدل على فضل ومزية لهم على غيرهم أصلا كما أن طاعة الجبابرة والظلام واجبة علينا في حال الاضطرار اتقاء من شرهم ، ولن يكونوا بذلك أفضل منا عند الله سبحانه.