و إذا كانوا سلموا حكم الرسول ، ولم يتحرج قلوبهم منه كانوا مسلمين لحكم الله قطعا سواء في ذلك حكمه التشريعي والتكويني ، وهذا موقف من مواقف الإيمان يتلبس فيه المؤمن بعدة من صفات الفضيلة أوضحها: التسليم لأمر الله ، ويسقط فيه التحرج والاعتراض والرد من لسان المؤمن وقلبه ، وقد أطلق في الآية التسليم إطلاقا.
ومن هنا يظهر أن قوله: فلا وربك إلى آخر الآية ، وإن كان مقصورا على التسليم لحكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحسب اللفظ لأن مورد الآيات هو تحاكمهم إلى غير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع وجوب رجوعهم إليه إلا أن المعنى عام لحكم الله ورسوله جميعا ، ولحكم التشريع والتكوين جميعا كما عرفت.
بل المعنى يعم الحكم بمعنى قضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكل سيرة سار بها أو عمل عمل به لأن الأثر مشترك فكل ما ينسب بوجه إلى الله ورسوله بأي نحو كان لا يتأتى لمؤمن بالله حق إيمانه أن يرده أو يعترض عليه أو يمله أو يسوءه بوجه من وجوه المساءة فكل ذلك شرك على مراتبه ، وقد قال تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون:"يوسف: 106".
قوله تعالى:"و لو أنا كتبنا عليهم"إلى قوله:"ما فعلوه إلا قليل منهم"قد تقدم في قوله: ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا:"آية: 46 من السورة"إن هذا التركيب يدل على أن الحكم للهيئة الاجتماعية من الأفراد وهو المجتمع ، وأن الاستثناء لدفع توهم استغراق الحكم واستيعابه لجميع الأفراد ، ولذلك كان هذا الاستثناء أشبه بالمنفصل منه بالمتصل أو هو برزخ بين الاستثنائين: المتصل والمنفصل لكونه ذا جنبتين.
على هذا فقوله"ما فعلوه إلا قليل منهم"وارد مورد الإخبار عن حال الجملة المجتمعة أنهم لا يمتثلون الأحكام والتكاليف الحرجية الشاقة التي تماس ما يتعلق به قلوبهم تعلق الحب الشديد كنفوسهم وديارهم ، واستثناء القليل لدفع التوهم.
فالمعنى: ولو أنا كتبنا أي فرضنا عليهم قتل أنفسهم والخروج من ديارهم وأوطانهم المألوفة لهم ما فعلوه أي لم يمتثلوا أمرنا ، ثم لما استشعر أن قوله: ما فعلوه يوهم أن ليس فيهم من هو مؤمن حقا مسلم لحكم الله حقيقة دفع ذلك باستثناء القليل منهم ، ولم يكن يشمله الحكم حقيقة لأن الإخبار عن حال المجتمع من حيث إنه مجتمع ولم تكن الأفراد داخلة فيه إلا بتبع الجملة.
ومن هنا يظهر أن المراد قتل الجملة الجملة وخروج الجملة وجلاؤهم من جملة ديارهم كالبلدة والقرية دون قتل كل واحد نفسه ، وخروجه من داره كما في قوله تعالى: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم:"البقرة: 54"، فإن المقصود بالخطاب هو الجماعة دون الأفراد.
قوله تعالى:"و لو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا"في تبديل الكتابة في قوله: ولو أنا كتبنا عليهم ، بالوعظ في قوله: ما يوعظون به إشارة إلى أن هذه الأحكام الظاهرة في صورة الأمر والفرض ليست إلا إشارات إلى ما فيه صلاحهم وسعادتهم فهي في الحقيقة مواعظ ونصائح يراد بها خيرهم وصلاحهم.
وقوله: لكان خيرا لهم أي في جميع ما يتعلق بهم من أولاهم وأخراهم ، وذلك أن خير الآخرة لا ينفك من خير الدنيا بل يستتبعه ، وقوله:"و أشد تثبيتا"أي لنفوسهم وقلوبهم بالإيمان لأن الكلام فيه ، قال تعالى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت الآية:"إبراهيم: 27".
قوله تعالى:"و إذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما"أي حين تثبتوا بالإيمان الثابت ، والكلام في إبهام قوله:"أجرا عظيما"كالكلام في إطلاق قوله:"لكان خيرا لهم".
قوله تعالى:"و لهديناهم صراطا مستقيما"قد مضى الكلام في معنى الصراط المستقيم في ذيل قوله: اهدنا الصراط المستقيم:"الحمد: 6"في الجزء الأول من الكتاب.
قوله تعالى:"و من يطع الله والرسول"إلى قوله:"حسن أولئك رفيقا"جمع بين الله والرسول في هذا الوعد الحسن مع كون الآيات السابقة متعرضة لإطاعة الرسول والتسليم لحكمه وقضائه ، لتخلل ذكره تعالى بينها في قوله: ولو أنا كتبنا عليهم"إلخ"فالطاعة المفترضة طاعته تعالى وطاعة رسوله ، وقد بدأ الكلام على هذا النحو في قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول الآية.