فهرس الكتاب

الصفحة 882 من 4314

و قوله: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ، يدل على اللحوق دون الصيرورة فهؤلاء ملحقون بجماعة المنعم عليهم ، وهم أصحاب الصراط المستقيم الذي لم ينسب في كلامه تعالى إلى غيره إلا إلى هذه الجماعة في قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم:"الحمد: 7"، وبالجملة فهم ملحقون بهم غير صائرين منهم كما لا يخلو قوله:"و حسن أولئك رفيقا"من تلويح إليه ، وقد تقدم أن المراد بهذه النعمة هي الولاية.

وأما هؤلاء الطوائف الأربع أعني النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فالنبيون هم أصحاب الوحي الذين عندهم نبأ الغيب ، ولا خبرة لنا من حالهم بأزيد من ذلك إلا من حيث الآثار ، وقد تقدم أن المراد بالشهداء شهداء الأعمال فيما يطلق من لفظ الشهيد في القرآن دون المستشهدين في معركة القتال ، وأن المراد بالصالحين هم أهل اللياقة بنعم الله.

وأما الصديقون فالذي يدل عليه لفظه هو أنه مبالغة من الصدق ، ومن الصدق ما هو في القول ، ومنه ما هو في الفعل ، وصدق الفعل هو مطابقته للقول لأنه حاك عن الاعتقاد فإذا صدق في حكايته كان حاكيا لما في الضمير من غير تخلف ، وصدق القول مطابقته لما في الواقع ، وحيث كان القول نفسه من الفعل بوجه كان الصادق في فعله لا يخبر إلا عما يعلم صدقه وأنه حق ، ففي قوله الصدق الخبري والمخبري جميعا.

فالصديق الذي لا يكذب أصلا هو الذي لا يفعل إلا ما يراه حقا من غير اتباع لهوى النفس ، ولا يقول إلا ما يرى أنه حق ، ولا يرى شيئا إلا ما هو حق فهو يشاهد حقائق الأشياء ، ويقول الحق ، ويفعل الحق.

وعلى ذلك فيترتب المراتب فالنبيون وهم السادة ، ثم الصديقون وهم شهداء الحقائق والأعمال ، والشهداء وهم شهداء الأعمال ، والصالحون وهم المتهيئون للكرامة الإلهية.

وقوله تعالى:"و حسن أولئك رفيقا"أي من حيث الرفاقة فهو تمييز ، قيل: ولذلك لم يجمع ، وقيل: المعنى: حسن كل واحد منهم رفيقا ، وهو حال نظير قوله: ثم نخرجكم طفلا:"الحج: 5".

قوله تعالى:"ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما"تقديم"ذلك"وإتيانه بصيغة الإشارة الدالة على البعيد ودخول اللام في الخبر يدل على تفخيم أمر هذا الفضل كأنه كل الفضل ، وختم الآية بالعلم لكون الكلام في درجات الإيمان التي لا سبيل إلى تشخيصها إلا العلم الإلهي.

واعلم أن في هذه الآيات الشريفة موارد عديدة من الالتفات الكلامي متشابك بعضها مع بعض فقد أخذ المؤمنون في صدر الآيات مخاطبين ثم في قوله:"و لو أنا كتبنا عليهم"كما مر غائبين ، وكذلك أخذ تعالى نفسه في مقام الغيبة في صدر الآيات في قوله: أطيعوا الله الآية ، ثم في مقام المتكلم مع الغير في قوله: وما أرسلنا من رسول الآية ، ثم الغيبة في قوله: بإذن الله الآية ، ثم المتكلم مع الغير في قوله: ولو أنا كتبنا الآية ، ثم الغيبة في قوله: ومن يطع الله والرسول الآية.

وكذلك الرسول أخذ غائبا في صدر الآيات في قوله: وأطيعوا الرسول الآية ، ثم مخاطبا في قوله: ذلك خير الآية ، ثم غائبا في قوله: واستغفر لهم الرسول الآية ، ثم مخاطبا في قوله: فلا وربك الآية ، ثم غائبا في قوله: ومن يطع الله والرسول الآية ، ثم مخاطبا في قوله: وحسن أولئك الآية ، فهذه عشر موارد من الالتفات الكلامي والنكات المختصة بكل مورد مورد ظاهرة للمتدبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت