فالواحد من الإنسان لا يسلم في نفسه وما يأتي به من العمل من الاختلاف ، وليس هو بالواحد والاثنين من التفاوت والتناقض بل الاختلاف الكثير ، وهذا ناموس كلي جار في الإنسان وما دونه من الكائنات الواقعة تحت سيطرة التحول والتكامل العامين لا ترى واحدا من هذه الموجودات يبقى آنين متواليين على حال واحد بل لا يزال يختلف ذاته وأحواله.
ومن هنا يظهر وجه التقييد بالكثير في قوله:"اختلافا كثيرا"فالوصف وصف توضيحي لا احترازي ، والمعنى: لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا وكان ذلك الاختلاف كثيرا على حد الاختلاف الكثير الذي في كل ما هو من عند غير الله ، وليس المعنى أن المرفوع من القرآن هو الاختلاف الكثير دون اليسير.
وبالجملة لا يلبث المتدبرون أن يشاهد أن القرآن كتاب يداخل جميع الشئون المرتبطة بالإنسانية من معارف المبدأ والمعاد والخلق والإيجاد ، ثم الفضائل العامة الإنسانية ، ثم القوانين الاجتماعية والفردية الحاكمة في النوع حكومة لا يشذ منها دقيق ولا جليل ، ثم القصص والعبر والمواعظ ببيان دعا إلى مثلها أهل الدنيا ، وبآيات نازلة نجوما في مدة تعدل ثلاثا وعشرين سنة على اختلاف الأحوال من ليل ونهار ، ومن حضر وسفر ، ومن حرب وسلم ، ومن ضراء وسراء ، ومن شدة ورخاء ، فلم يختلف حاله في بلاغته الخارقة المعجزة ، ولا في معارفه العالية وحكمه السامية ، ولا في قوانينه الاجتماعية والفردية ، بل ينعطف آخره إلى ما قر عليه أوله ، وترجع تفاصيله وفروعه إلى ما ثبت فيه أعراقه وأصوله ، يعود تفاصيل شرائعه وحكمه بالتحليل إلى حاق التوحيد الخالص ، وينقلب توحيده الخالص بالتركيب إلى أعيان ما أفاده من التفاصيل ، هذا شأن القرآن.
والإنسان المتدبر فيه هذا التدبر يقضي بشعوره الحي ، وقضائه الجبلي أن المتكلم بهذا الكلام ليس ممن يحكم فيه مرور الأيام والتحول والتكامل العاملان في الأكوان بل هو الله الواحد القهار.
وقد تبين من الآية أولا: أن القرآن مما يناله الفهم العادي.
وثانيا: أن الآيات القرآنية يفسر بعضها بعضا.
وثالثا: أن القرآن كتاب لا يقبل نسخا ولا إبطالا ولا تكميلا ولا تهذيبا ، ولا أي حاكم يحكم عليه أبدا ، وذلك أن ما يقبل شيئا منها لا مناص من كونه يقبل نوعا من التحول والتغير بالضرورة ، وإذ كان القرآن لا يقبل الاختلاف فليس يقبل التحول والتغير فليس يقبل نسخا ولا إبطالا ولا غير ذلك ، ولازم ذلك أن الشريعة الإسلامية مستمرة إلى يوم القيامة.
قوله تعالى:"و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به"الإذاعة هي النشر والإشاعة ، وفي الآية نوع ذم وتعيير لهم في شأن هذه الإذاعة ، وفي قوله في ذيل الآية"و لو لا فضل الله"إلخ دلالة على أن المؤمنين كانوا على خطر الضلال من جهة هذه الإذاعة ، وليس إلا خطر مخالفة الرسول فإن الكلام في هذه الآيات موضوع في ذلك ، ويؤيد ذلك ما في الآية التالية من أمر الرسول بالقتال ولو بقي وحده بلا ناصر.
ويظهر به أن الأمر الذي جاءهم من الأمن أو الخوف كان بعض الأراجيف التي كانت تأتي بها أيدي الكفار ورسلهم المبعوثون لإيجاد النفاق والخلاف بين المؤمنين فكان الضعفاء من المؤمنين يذيعونه من غير تدبر وتبصر فيوجب ذلك وهنا في عزيمة المؤمنين ، غير أن الله سبحانه وقاهم من اتباع هؤلاء الشياطين الجائين بتلك الأخبار لإخزاء المؤمنين.
فتنطبق الآية على قصة بدر الصغرى ، وقد تقدم الكلام فيها في سورة آل عمران ، والآيات هاهنا تشابه الآيات هناك مضمونا كما يظهر للمتدبر فيها ، قال تعالى في سورة آل عمران:"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل - إلى قوله - إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين": آل عمران: - 175.
الآيات كما ترى تذكر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدعو الناس بعد ما أصابهم القرح - وهو محنة - أحد - إلى الخروج إلى الكفار ، وأن أناسا كانوا يخزلون الناس ويخذلونهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويخوفونهم جمع المشركين.