ثم تذكر أن ذلك كله تخويفات من الشيطان يتكلم بها من أفواه أوليائه ، وتعزم على المؤمنين أن لا يخافوهم ويخافوا الله أن كانوا مؤمنين.
والمتدبر فيها وفي الآيات المبحوث عنها أعني قوله"و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به"الآية لا يرتاب في أن الله سبحانه في هذه الآية يذكر قصة بدر - الصغرى ويعدها في جملة ما يعد من الخلال التي يلوم هؤلاء الضعفاء عليها كقوله"فلما كتب عليهم القتال"الآية وقوله"و قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال"الآية وقوله"و إن تصبهم حسنة"الآية وقوله"و يقولون طاعة"الآية ثم يجري على هذا المجرى قوله"و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به"الآية.
قوله تعالى:"و لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم"لم يذكر هاهنا الرد إلى الله كما ذكر في قوله"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول": الآية النساء: 59 لأن الرد المذكور هناك هو رد الحكم الشرعي المتنازع فيه ، ولا صنع فيه لغير الله ورسوله.
وأما الرد المذكور هاهنا فهو رد الخبر الشائع بين الناس من أمن أو خوف ، ولا معنى لرده إلى الله وكتابه ، بل الصنع فيه للرسول ولأولي الأمر منهم ، لو رد إليهم أمكنهم أن يستنبطوه ويذكروا للرادين صحته أو سقمه وصدقه أو كذبه.
فالمراد بالعلم التمييز تمييز الحق من الباطل ، والصدق من الكذب على حد قوله تعالى"ليعلم الله من يخافه بالغيب": المائدة: 94"و قوله وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين": العنكبوت. - 11.
والاستنباط استخراج القول من حال الإبهام إلى مرحلة التمييز والمعرفة ، وأصله من النبط محركة ، وهو أول ما يخرج من ماء البئر ، وعلى هذا يمكن أن يكون الاستنباط وصفا للرسول وأولي الأمر بمعنى أنهم يحققون الأمر فيحصلون على الحق والصدق وأن يكون وصفا لهؤلاء الرادين لو ردوا فإنهم يعلمون حق الأمر وصدقه بإنباء الرسول وأولي الأمر لهم.
فيعود معنى الآية إن كان المراد بالذين يستنبطونه منهم الرسول وأولي الأمر كما هو الظاهر من الآية: لعلمه من أراد الاستنباط من الرسول وأولي الأمر أي إذا استصوبه المسئولون ورأوه موافقا للصلاح ، وإن كان المراد بهم الرادين: لعلمه الذين يستفسرونه ويبالغون في الحصول على أصل الخبر من هؤلاء الرادين.
وأما أولوا الأمر في قوله: وإلى أولي الأمر منهم"فالمراد بهم هو المراد بأولي الأمر في قوله"و أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم": النساء: 59 على ما تقدم من اختلاف المفسرين في تفسيره وقد تقدم أن أصول الأقوال في ذلك ترجع إلى خمسة غير أن الذي استفدناه من المعنى أظهر في هذه الآية."
أما القول بأن أولي الأمر هم أمراء السرايا فإن هؤلاء لم يكن لهم شأن إلا الإمارة على سرية في واقعة خاصة لا تتجاوزها خبرتهم ودائرة عملهم ، وأما أمثال ما هو مورد الآية وهو الإخلال في الأمن وإيجاد الخوف والوحشة العامة التي كان يتوسل إليها المشركون ببعث العيون وإرسال الرسل السرية الذين يذيعون من الأخبار ما يخزلون به المؤمنين فلا شأن لأمراء السرايا في ذلك حتى يمكنهم أن يبينوا وجه الحق فيه للناس إذا سألوهم عن أمثال تلك الأخبار.