فهرس الكتاب

الصفحة 903 من 4314

و أما القول بأن أولي الأمر هم العلماء فعدم مناسبته للآية أظهر ، إذ العلماء وهم يومئذ المحدثون والفقهاء والقراء والمتكلمون في أصول الدين - إنما خبرتهم في الفقه والحديث ونحو ذلك ، ومورد قوله"و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف"، هي الأخبار التي لها أعراق سياسية ترتبط بأطراف شتى ربما أفضى قبولها أو ردها أو الإهمال فيها من المفاسد الحيوية والمضار الاجتماعية إلى ما يمكن أن لا يستصلح بأي مصلح آخر ، أو يبطل مساعي أمة في طريق سعادتها ، أو يذهب بسؤددهم ويضرب بالذل والمسكنة والقتل والأسر عليهم ، وأي خبرة للعلماء من حيث إنهم محدثون أو فقهاء أو قراء أو نحوهم في هذه القضايا حتى يأمر الله سبحانه بإرجاعها وردها إليهم؟ وأي رجاء في حل أمثال هذه المشكلات بأيديهم؟ وأما القول بأن أولي الأمر هم الخلفاء الراشدون أعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا فمع كونه لا دليل عليه من كتاب أو سنة قطعية ، يرد عليه أن حكم الآية إما مختص بزمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عام يشمله وما بعده ، وعلى الأول كان من اللازم أن يكونوا معروفين بهذا الشأن بما أنهم هؤلاء الأربعة من بين الناس ومن بين الصحابة خاصة ، والحديث والتاريخ لا يضبطان لهم بخصوصهم شأنا من هذا القبيل ، وعلى الثاني كان لازمه انقطاع حكم الآية بانقطاع زمان حياتهم ، وكان لازمه أن تتصدى الآية لبيان ذلك كما في جميع الأحكام الخاصة بشطر من الزمان المذكورة في القرآن كالأحكام الخاصة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أثر في الآية من ذلك.

وأما القول بأن المراد بأولي الأمر أهل الحل والعقد ، وهذا القائل لما رأى أنه لم يكن في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جماعة مشخصة هم أهل الحل والعقد على حد ما يوجد بين الأمم المتمدنة ذوات المجتمعات المتشكلة كهيئة الوزراء ، وجمعية المبعوثين إلى المنتدى وغير ذلك فإن الأمة لم يكن يجري فيها إلا حكم الله ورسوله ، اضطر إلى تفسيره بأهل الشورى من الصحابة وخاصة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم.

وكيف كان ، يرد عليه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجمع في مشاورته المؤمنين والمنافقين كعبد الله بن أبي وأصحابه ، وحديث مشاورته يوم أحد معروف ، وكيف يمكن أن يأمر الله سبحانه بالرد إلى أمثاله.

على أن ممن لا كلام في كونه ذا هذا الشأن عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده عبد الرحمن بن عوف ، وهذه الآيات المسرودة في ذم ضعفاء المؤمنين وتعييرهم على ما وقع منهم إنما ابتدأت به وبأصحابه أعني قوله"أ لم تر إلى الذين قيل لهم كفوا"الآيات فقد ورد في الصحيح أنها نزلت في عبد الرحمن بن عوف وأصحاب له ، رواه النسائي في صحيحه ورواه الحاكم في مستدركه وصححه ورواه الطبري وغيره في تفاسيرهم ، وقد مرت الرواية في البحث الروائي السابق.

وإذا كان الأمر على هذه الوتيرة فكيف يمكن أن يؤمر في الآية بإرجاع الأمر ورده إلى مثل هؤلاء؟.

فالمتعين هو الذي رجحناه في قوله تعالى"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"الآية.

قوله تعالى:"و لو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا"قد تقدم أن الأظهر كون الآيات مشيرة إلى قصة بدر الصغرى ، وبعث أبي سفيان نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المدينة لبسط الخوف والوحشة بين الناس وإخزائهم في الخروج إلى بدر فالمراد باتباع الشيطان التصديق بما جاء به من النبإ ، واتباعه في التخلف عن الخروج إلى بدر.

وبذلك يظهر استقامة معنى الاستثناء من غير حاجة إلى تكلف أو تمحل فإن نعيما كان يخبرهم أن أبا سفيان جمع الجموع وجهز الجيوش فاخشوهم ولا تلقوا بأنفسكم إلى حياض القتل الذريع ، وقد أثر ذلك في قلوب الناس فتعللوا عن الخروج إلى موعدهم ببدر ، ولم يسلم من ذلك إلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعض خاصته وهو المراد بقوله تعالى"إلا قليلا ، فقد كان الناس تزلزلوا إلا القليل منهم ثم لحقوا بذلك القليل وساروا."

وهذا الذي استظهرناه من معنى الاستثناء هو الذي يؤيده ما مر ذكره من القرائن ، على ما فيه من الاستقامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت