فهرس الكتاب

الصفحة 934 من 4314

و المعنى - والله أعلم -: أنه يجب على من يكسب إثما أن يتذكر أن ما يكسبه من الإثم فإنما يكسبه على نفسه لا على غيره ، وأنه هو الذي فعله لا غيره وإن رماه به أو تعهد له هو أن يحمل إثمه وكان الله عليما يعلم أنه فعل هذا الكاسب ، وأنه الذي فعله لا غيره المرمي به ، حكيما لا يؤاخذ بالإثم إلا آثمه ، وبالوزر غير وازرتها كما قال تعالى:"لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"البقرة: 286 ، وقال:"و لا تزر وازرة وزر أخرى"الأنعام: 164 وقال:"و قال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون"العنكبوت: 12.

قوله تعالى:"و من يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا"، قال الراغب في المفردات ،: إن من أراد شيئا فاتفق منه غيره يقال: أخطأ وإن وقع منه كما أراده يقال أصاب ، وقد يقال لمن فعل فعلا لا يحسن أو أراد إرادة لا تجمل: إنه أخطأ.

ولهذا يقال: أصاب الخطأ ، وأخطأ الصواب ، وأصاب الصواب ، وأخطأ الخطأ.

وهذه اللفظة مشتركة كما ترى ، مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن يتأملها.

قال: والخطيئة والسيئة تتقاربان لكن الخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يكون مقصودا إليه في نفسه بل يكون القصد سببا لتولد ذلك الفعل منه كمن يرمي صيدا فأصاب إنسانا ، أو شرب مسكرا فجنى جناية في سكره ، والسبب سببان: سبب محظور فعله كشرب المسكر وما يتولد عنه من الخطإ غير متجاف عنه ، وسبب غير محظور كرمي الصيد ، قال تعالى: ، ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم"وقال تعالى:"و من يكسب خطيئة أو إثما"فالخطيئة هاهنا هي التي لا تكون عن قصد إلى فعلها انتهى."

وأظن أن الخطيئة من الأوصاف التي استغني عن موصوفاتها بكثرة الاستعمال كالمصيبة والرزية والسليقة ونحوها ، ووزن فعيل يدل على اختزان الحدث واستقراره ، فالخطيئة هي العمل الذي اختزن واستقر فيه الخطأ والخطأ ، الفعل الواقع الذي لا يقصده الإنسان كقتل الخطإ ، هذا في الأصل ، ثم وسع إلى ما لا ينبغي للإنسان أن يقصده لو كانت نفسه على سلامتها الفطرية ، فكل معصية وأثر معصية من مصاديق الخطإ على هذا التوسع ، والخطيئة هي العمل أو أثر العمل الذي لم يقصده الإنسان ولا يعد حينئذ معصية أو لم يكن ينبغي أن يقصده ويعد حينئذ معصية أو وبال معصية.

لكن الله سبحانه لما نسبها في قوله"و من يكسب خطيئة"إلى الكسب كان المراد بها الخطيئة التي هي المعصية ، فالمراد بالخطيئة في الآية هي التي تكون عن قصد إلى فعلها وإن كان من شأنها أن لا يقصد إليها.

وقد مر في قوله تعالى"قل فيهما إثم": البقرة: 219 أن الإثم هو العمل الذي يوجب بوباله حرمان الإنسان عن خيرات كثيرة كشرب الخمر والقمار والسرقة مما يصد الإنسان عن حيازة الخيرات الحيوية ، ويوجب انحطاطا اجتماعيا يسقط الإنسان عن وزنه الاجتماعي ويسلب عنه الاعتماد والثقة العامة.

وعلى هذا فاجتماع الخطيئة والإثم على نحو الترديد ونسبتهما جميعا إلى الكسب في قوله"و من يكسب خطيئة أو إثما"الآية يوجب اختصاص كل منهما بما يختص به من المعنى ، والمعنى - والله أعلم -: أن من يكسب معصية لا تتجاوز موردها وبالا كترك بعض الواجبات كالصوم أو فعل بعض المحرمات كأكل الدم أو يكسب معصية يستمر وبالها كقتل النفس من غير حق والسرقة ثم يرم بها بريئا بنسبتها إليه فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا.

وفي تسمية نسبة العمل السيىء إلى الغير رميا - والرمي يستعمل في مورد السهم - وكذا في إطلاق الاحتمال على قبول وزر البهتان استعارة لطيفة كان المفتري يفتك بالمتهم البريء برميه بالسهم فيوجب له فتكه أن يتحمل حملا يشغله عن كل خير مدى حياته من غير أن يفارقه.

ومن ما تقدم يظهر وجه اختلاف التعبير عن المعصية في الآيات الكريمة تارة بالإثم وأخرى بالخطيئة والسوء والظلم والخيانة والضلال ، فكل واحد من هذه الألفاظ هو المناسب بمعناه لمحله الذي حل فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت