قوله تعالى:"و لو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت"إلى آخر الآية السياق يدل على أن المراد بهمهم بإضلال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو همهم أن يرضوه بالدفاع عن الذين سماهم الله تعالى في صدر الآيات بالخائنين والجدال عنهم وعلى هذا فالمراد بهذه الطائفة أيضا هم الذين عدل الله سبحانه إلى خطابهم بقوله"ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا"الآية وينطبق على قوم أبي طعمة على ما سيجيء.
وأما قوله"و ما يضلون إلا أنفسهم"فالمراد به بقرينة قوله بعده"و ما يضرونك من شيء"، إن إضلال هؤلاء لا يتعدى أنفسهم ولا يتجاوزهم إليك ، فهم الضالون بما هموا به لأنه معصية وكل معصية ضلال.
ولهذا الكلام معنى آخر تقدمت الإشارة إليه في الكلام على قوله"و ما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون: آل عمران: 69 في الجزء الثالث من هذا الكتاب ، لكنه لا يناسب هذا المقام."
وأما قوله"و ما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك"، ففيه نفي إضرارهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفيا مطلقا غير أن ظاهر السياق أنه مقيد بقوله"و أنزل الله عليك الكتاب"، على أن يكون جملة حالية عن الضمير في قوله"يضرونك"وإن كان الأغلب مقارنة الجملة الفعلية المصدرة بالماضي بقد على ما ذكره النحاة ، وعلى هذا فالكلام مسوق لنفي إضرار الناس مطلقا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علم أو عمل.
قوله تعالى:"و أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم"، ظاهر الكلام كما أشرنا إليه أنه في مقام التعليل لقوله"و ما يضرونك من شيء"أو لمجموع قوله"و ما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء"وكيف كان فهذا الإنزال والتعليم هو المانع من تأثيرهم في إضلاله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهو الملاك في عصمته.
كلام في معنى العصمة
ظاهر الآية أن الأمر الذي تتحقق به العصمة نوع من العلم يمنع صاحبه عن التلبس بالمعصية والخطإ ، وبعبارة أخرى علم مانع عن الضلال ، كما أن سائر الأخلاق كالشجاعة والعفة والسخاء كل منها صورة علمية راسخة موجبة لتحقق آثارها ، مانعة عن التلبس بأضدادها من آثار الجبن والتهور والخمود والشره والبخل والتبذير.
والعلم النافع والحكمة البالغة وإن كانا يوجبان تنزه صاحبهما عن الوقوع في مهالك الرذائل ، والتلوث بأقذار المعاصي ، كما نشاهده في رجال العلم والحكمة والفضلاء من أهل التقوى والدين ، غير أن ذلك سبب غالبي كسائر الأسباب الموجودة في هذا العالم المادي الطبيعي فلا تكاد تجد متلبسا بكمال يحجزه كماله من النواقص ويصونه عن الخطإ صونا دائميا من غير تخلف ، سنة جارية في جميع الأسباب التي نراها ونشاهدها.
والوجه في ذلك أن القوى الشعورية المختلفة في الإنسان يوجب بعضها ذهوله عن حكم البعض الآخر أو ضعف التفاته إليه كما أن صاحب ملكة التقوى ما دام شاعرا بفضيلة تقواه لا يميل إلى اتباع الشهوة غير المرضية ، ويجري على مقتضى تقواه ، غير أن اشتعال نار الشهوة وانجذاب نفسه إلى هذا النحو من الشعور ربما حجبه عن تذكر فضيلة التقوى أو ضعف شعور التقوى فلا يلبث دون أن يرتكب ما لا يرتضيه التقوى ويختار سفساف الشره ، وعلى هذا السبيل سائر الأسباب الشعورية في الإنسان وإلا فالإنسان لا يحيد عن حكم سبب من هذه الأسباب ما دام السبب قائما على ساق ، ولا مانع يمنع من تأثيره ، فجميع هذه التخلفات تستند إلى مغالبة التقوى والأسباب ، وتغلب بعضها على بعض.
ومن هنا يظهر أن هذه القوة المسماة بقوة العصمة سبب شعوري علمي غير مغلوب البتة ، ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراك لتسرب إليها التخلف ، وخبطت في أثرها أحيانا ، فهذا العلم من غير سنخ سائر العلوم والإدراكات المتعارفة التي تقبل الاكتساب والتعلم.