و قد أشار الله تعالى إليه في خطابه الذي خص به نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله"و أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم"وهو خطاب خاص لا نفقهه حقيقة الفقه إذ لا ذوق لنا في هذا النحو من العلم والشعور غير أن الذي يظهر لنا من سائر كلامه تعالى بعض الظهور كقوله"قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك": البقرة: 97 وقوله"نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين": الشعراء: 195 أن الإنزال المذكور من سنخ العلم ، ويظهر من جهة أخرى أن ذلك من قبيل الوحي والتكليم كما يظهر من قوله"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى": الآية الشورى: 13 وقوله"إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده": النساء: 163 وقوله"إن أتبع إلا ما يوحى إلي": الأنعام: 50 ، وقوله"إنما أتبع ما يوحى إلي": الأعراف: 203.
ويستفاد من الآيات على اختلافها أن المراد بالإنزال هو الوحي وحي الكتاب والحكمة وهو نوع تعليم إلهي لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) غير أن الذي يشير إليه بقوله"و علمك ما لم تكن تعلم"ليس هو الذي علمه بوحي الكتاب والحكمة فقط فإن مورد الآية قضاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحوادث الواقعة والدعاوي التي ترفع إليه برأيه الخاص ، وليس ذلك من الكتاب والحكمة بشيء وإن كان متوقفا عليهما بل رأيه ونظره الخاص به.
ومن هنا يظهر أن المراد بالإنزال والتعليم في قوله"و أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم"نوعان اثنان من العلم ، أحدهما التعليم بالوحي ونزول الروح الأمين على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ، الآخر: التعليم بنوع من الإلقاء في القلب والإلهام الخفي الإلهي من غير إنزال الملك وهذا هو الذي تؤيده الروايات الواردة في علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وعلى هذا فالمراد بقوله"و علمك ما لم تكن تعلم"آتاك نوعا من العلم لو لم يؤتك إياه من لدنه لم يكفك في إيتائه الأسباب العادية التي تعلم الإنسان ما يكتسبه من العلوم.
فقد بان من جميع ما قدمناه أن هذه الموهبة الإلهية التي نسميها قوة العصمة نوع من العلم والشعور يغاير سائر أنواع العلوم في أنه غير مغلوب لشيء من القوى الشعورية البتة بل هي الغالبة القاهرة عليها المستخدمة إياها ، ولذلك كانت تصون صاحبها من الضلال والخطيئة مطلقا ، وقد ورد في الروايات أن للنبي والإمام روحا تسمى روح القدس تسدده وتعصمه عن المعصية والخطيئة ، وهي التي يشير إليها قوله تعالى"و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا": الشورى: 52 بتنزيل الآية على ظاهرها من إلقاء كلمة الروح المعلمة الهادية إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونظيره قوله تعالى"و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين": الأنبياء: 73 بناء على ما سيجيء من بيان معنى الآية إن شاء الله العزيز أن المراد به تسديد روح القدس الإمام بفعل الخيرات وعبادة الله سبحانه.
وبان مما مر أيضا أن المراد بالكتاب في قوله"و أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم"هو الوحي النازل لرفع اختلافات الناس على حد قوله تعالى"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": الآية البقرة: 213 وقد تقدم بيانه في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
والمراد بالحكمة سائر المعارف الإلهية النازلة بالوحي ، النافعة للدنيا والآخرة ، والمراد بقوله"و علمك ما لم تكن تعلم"غير المعارف الكلية العامة من الكتاب والحكمة.
وبذلك يظهر ما في كلمات بعض المفسرين في تفسير الآية.
فقد فسر بعضهم الكتاب بالقرآن ، والحكمة بما فيه من الأحكام ، و"ما لم تكن تعلم"بالأحكام والغيب وفسر بعضهم الكتاب والحكمة بالقرآن والسنة ، و"ما لم تكن تعلم"بالشرائع وأنباء الرسل الأولين وغير ذلك من العلوم إلى غير ذلك مما ذكروه ، وقد تبين وجه ضعفها بما مر فلا نعيد.