فهرس الكتاب

الصفحة 937 من 4314

قوله تعالى:"و كان فضل الله عليك عظيما"امتنان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) -.

قوله تعالى:"لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس"قال الراغب: وناجيته أي ساررته وأصله أن تخلو به في نجوة من الأرض انتهى فالنجوى المسارة في الحديث ، وربما أطلق على نفس المتناجين قال تعالى:"و إذ هم نجوى": الإسراء: 47 أي متناجون.

وفي الكلام أعني قوله"لا خير في كثير من نجواهم"عود إلى ما تقدم من قوله تعالى"إذ يبيتون ما لا يرضى من القول"الآية بناء على اتصال الآيات وقد عمم البيان لمطلق المسارة في القول سواء كان ذلك بطريق التبييت أو بغيره لأن الحكم المذكور وهو انتفاء الخير فيه إنما هو لمطلق المسارة وإن لم تكن على نحو التبييت ، ونظيره قوله"و من يشاقق"، دون أن يقول: ومن يناج للمشاقة ، لأن الحكم المذكور لمطلق المشاقة أعم من أن يكون نجوى أو لا.

وظاهر الاستثناء أنه منقطع ، والمعنى: لكن من أمر بكذا وكذا فيه ففيما أمر به شيء من الخير ، وقد سمى دعوة النجوى إلى الخير أمرا وذلك من قبيل الاستعارة ، وقد عد تعالى هذا الخير الذي يأمر به النجوى ثلاثة: الصدقة ، والمعروف ، والإصلاح بين الناس.

ولعل إفراد الصدقة عن المعروف مع كونها من أفراده لكونها الفرد الكامل في الاحتياج إلى النجوى بالطبع ، وهو كذلك غالبا.

قوله تعالى:"و من يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله"، تفصيل لحال النجوى ببيان آخر من حيث التبعة من المثوبة والعقوبة ليتبين به وجه الخير فيما هو خير من النجوى ، وعدم الخير فيما ليس بخير منه.

ومحصله أن فاعل النجوى على قسمين: أحدهما من يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله ، ولا محالة ينطبق على ما يدعو إلى معروف أو إصلاح بين الناس تقربا إلى الله ، وسوف يثيبه الله سبحانه بعظيم الأجر ، وثانيهما أن يفعل ذلك لمشاقة الرسول واتخاذ طريق غير طريق المؤمنين وسبيلهم ، وجزاؤه الإملاء والاستدراج الإلهي ثم إصلاء جهنم وساءت مصيرا.

قوله تعالى:"و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ، المشاقة من الشق وهو القطعة المبانة من الشيء فالمشاقة والشقاق كونك في شق غير شق صاحبك ، وهو كناية عن المخالفة ، فالمراد بمشاقة الرسول بعد تبين الهدى مخالفته وعدم إطاعته ، وعلى هذا فقوله"و يتبع غير سبيل المؤمنين"بيان آخر لمشاقة الرسول ، والمراد بسبيل المؤمنين إطاعة الرسول فإن طاعته طاعة الله قال تعالى:"من يطع الرسول فقد أطاع الله"النساء: 80."

فسبيل المؤمنين بما هم مجتمعون على الإيمان هو الاجتماع على طاعة الله ورسوله - وإن شئت فقل على طاعة رسوله - فإن ذلك هو الحافظ لوحدة سبيلهم كما قال تعالى:"و كيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا": آل عمران: 103 وقد تقدم الكلام في الآية في الجزء الثالث من هذا الكتاب ، وقال تعالى:"و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون"الأنعام: 153 وإذا كان سبيله سبيل التقوى ، والمؤمنون هم المدعوون إليه فسبيلهم مجتمعين سبيل التعاون على التقوى كما قال تعالى:"و تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان": المائدة: 2 والآية - كما ترى - تنهى عن معصية الله وشق عصا الاجتماع الإسلامي ، وهو ما ذكرناه من معنى سبيل المؤمنين.

فمعنى الآية أعني قوله"و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين"، يعود إلى معنى قوله"يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى": الآية المجادلة: 9.

وقوله"نوله ما تولى"، أي نجره على ما جرى عليه ، ونساعده على ما تلبس به من اتباع غير سبيل المؤمنين كما قال تعالى:"كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا": الإسراء: 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت