و لعد الطائفتين جميعا ذا أصل واحد يخص اليهود بالذكر فيما يخصهم من الجزاء حيث قال:"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم"ولذلك أيضا عد عيسى بين الرسل المذكورين بعد كما عد موسى (عليه السلام) بينهم ولو كان وجه الكلام إلى اليهود فقط لم يصح ذلك ، ولذلك أيضا قيل بعد هذه الآيات:"يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح"إلخ.
وبالجملة السائل هم أهل الكتاب جميعا ووجه الكلام معهم لاشتراكهم في الخصيصة القومية وهو التحكم والقول بغير الحق والمجازفة وعدم التقيد بالعهود والمواثيق ، والكلام جار معهم فيما اشتركوا فإذا اختص منهم طائفة بشيء خص الكلام به.
والذي سألوه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، ولم يسألوه ما سألوه قبل نزول القرآن وتلاوته عليهم كيف والقصة إنما وقعت في المدينة وقد بلغهم من القرآن ما نزل بمكة وشطر مما نزل بالمدينة؟ بل هم ما كانوا يقنعون به دليلا للنبوة ، ولا يعدونه كتابا سماويا مع أن القرآن نزل فيما نزل مشفعا بالتحدي ودعوى الإعجاز كما في سور: إسراء ، ويونس ، وهود ، والبقرة النازلة جميعا قبل سورة النساء.
فسؤالهم تنزيل الكتاب من السماء بعد ما كانوا يشاهدونه من أمر القرآن لم يكن إلا سؤالا جزافيا لا يصدر إلا ممن لا يخضع للحق ولا ينقاد للحقيقة وإنما يلغو ويهذو بما قدمته له أيدي الأهواء من غير أن يتقيد بقيد أو يثبت على أساس ، نظير ما كانت تتحكم به قريش مع نزول القرآن ، وظهور دعوته فتقول على ما حكاه الله سبحانه عنهم:"لو لا أنزل عليه آية من ربه": يونس: 20"أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه: إسراء: 93."
ولهذا الذي ذكرناه أجاب الله سبحانه عن مسألتهم أولا بأنهم قوم متمادون في الجهالة والضلالة لا يأبون عن أنواع الظلم وإن عظمت ، والكفر والجحود وإن جاءت البينة ، وعن نقض المواثيق وإن غلظت وغير ذلك من الكذب والبهتان وأي ظلم ، ومن هذا شأنه لا يصلح لإجابة ما سأله والإقبال على ما اقترحه.
وثانيا أن الكتاب الذي أنزله الله وهو القرآن مقارن لشهادة الله سبحانه وملائكته وهو الذي يفصح عن التحدي بعد التحدي بآياته الكريمة.
فقال تعالى في جوابهم أولا:"فقد سألوا موسى أكبر من ذلك"أي مما سألوك من تنزيل كتاب من السماء إليهم"فقالوا أرنا الله جهرة"أي إراءة عيان نعاينه بأبصارنا ، وهذه غاية ما يبلغه البشر من الجهالة والهذر والطغيان"فأخذتهم الصاعقة بظلمهم"والقصة مذكورة في سورة البقرة آية: 55 - 56 وسورة الأعراف آية: 155.
ثم قال تعالى:"ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات"وهذه عبادة الصنم بعد ظهور بطلانه أو بيان أن الله سبحانه منزه عن شائبة الجسمية والحدوث ، وهو من أفظع الجهالات البشرية"فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا"وقد أمرهم موسى في ذلك أن يتوبوا إلى بارئهم فيقتلوا أنفسهم فأخذوا فيه فعفا الله عنهم ولما يتم التقتيل ولما يقتل الجميع ، وهو المراد بالعفو ، وآتى موسى (عليه السلام) سلطانا مبينا حيث سلطه عليهم وعلى السامري وعجله ، والقصة مذكورة في سورة البقرة آية: 54.
ثم قال تعالى:"و رفعنا فوقهم الطور بميثاقهم"وهو الميثاق الذي أخذه الله منهم ثم رفع فوقهم الطور ، والقصة مذكورة مرتين في سورة البقرة آية 63 ، 93.
ثم قال تعالى:"و قلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا"والقصتان مذكورتان في سورة البقرة آية: 58 - 65 وسورة الأعراف 161 - 163 وليس من البعيد أن يكون الميثاق المذكور راجعا إلى القصتين وإلى غيرهما فإن القرآن يذكر أخذ الميثاق منهم متكررا كقوله تعالى وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله"الآية: البقرة: 83 ، وقوله تعالى"و إذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكوا دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون": البقرة: 84."