فهرس الكتاب

الصفحة 967 من 4314

قوله تعالى:"فبما نقضهم ميثاقهم"، الفاء للتفريع والمجرور متعلق بما سيأتي بعد عدة آيات - يذكر فيها جرائمهم - من قوله"حرمنا عليهم"والآيات مسوقة لبيان ما جازاهم الله به من وخيم الجزاء الدنيوي والأخروي ، وفيها ذكر بعض ما لم يذكر من سننهم السيئة أولا.

وقوله"فبما نقضهم ميثاقهم"تلخيص لما ذكر منهم من نقض المواثيق ولما لم يذكر من المواثيق المأخوذة منهم.

وقوله"و كفرهم بآيات الله تلخص لأنواع من الكفر كفروا بها في زمن موسى (عليه السلام) وبعده قص القرآن كثيرا منها ، ومن جملتها الموردان المذكوران في صدر الآيات أعني قوله فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة"، وقوله"ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات"وإنما قدما في الصدر ، وأخرا في هذه الآية لأن المقامين مختلفان فيختلف مقتضاهما فإن صدر الآيات متعرض لسؤالهم تنزيل كتاب من السماء و ، ذكر سؤالهم أكبر من ذلك وعبادتهم العجل أنسب به وألصق ، وهذه الآية وما بعدها متعرضة لمجازاتهم في قبال أعمالهم بعد ما كانوا أجابوا دعوة الحق وذكر أسباب ذلك والابتداء بذكر نقض الميثاق أنسب في هذا المقام وأقرب.

وقوله"و قتلهم الأنبياء بغير حق"يعني بهم زكريا ويحيى وغيرهما ممن ذكر القرآن قتلهم إجمالا من غير تسمية.

وقوله"و قولهم قلوبنا غلف"جمع أغلف أي في أغشية تمنعها عن استماع الدعوة النبوية ، وقبول الحق لو دعيت إليه ، وهذه كلمة ذكروها يريدون بها رد الدعوة ، وإسناد عدم إجابتهم للدعوة إلى الله سبحانه كأنهم كانوا يدعون أنهم خلقوا غلف القلوب ، أو أنهم جعلوا بالنسبة إلى دعوة غير موسى كذلك من غير استناد ذلك إلى اختيارهم وصنعهم.

ولذلك رد الله سبحانه عليهم بقوله"بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا"فبين أن إباء قلوبهم عن استماع الدعوة الحقة مستند إلى صنع الله لكن لا كما يدعون أنهم لا صنع لهم في ذلك بل إنما فعل ذلك بهم في مقابل كفرهم وجحودهم للحق ، وكان أثر ذلك أن هذا القوم لا يؤمنون إلا قليل منهم.

وقد تقدم الكلام في هذا الاستثناء ، وأن هذه النقمة الإلهية إنما نزلت بهم بقوميتهم ومجتمعهم ، فالمجموع من حيث المجموع مكتوب عليهم النقمة ، ومطبوع على قلوبهم محال لهم أن يؤمنوا بأجمعهم ، ولا ينافي ذلك إيمان البعض القليل منهم.

قوله تعالى:"بكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما"وهو قذفها (عليها السلام) في ولادة عيسى بالزنا ، وهو كفر وبهتان معا وقد كلمهم عيسى في أول ولادته وقال:"إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا": مريم. 30.

قوله تعالى:"و قولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم"قد تقدم في قصص عيسى (عليه السلام) في سورة آل عمران أنهم اختلفوا في كيفية قتله صلبا وغير صلب فلعل حكايته تعالى عنهم دعوى قتله أولا ثم ذكر القتل والصلب معا في مقام الرد والنفي لبيان النفي التام بحيث لا يشوبه ريب فإن الصلب لكونه نوعا خاصا في تعذيب المجرمين لا يلازم القتل دائما ، ولا يتبادر إلى الذهن عند إطلاق القتل ، وقد اختلف في كيفية قتله فمجرد نفي القتل ربما أمكن أن يتأول فيه بأنهم ما قتلوه قتلا عاديا ، ولا ينافي ذلك أن يكونوا قتلوه صلبا فلذلك ذكر تعالى بعد قوله"و ما قتلوه"قوله"و ما صلبوه"ليؤدي الكلام حقه من الصراحة ، وينص على أنه (عليه السلام) لم يتوف بأيديهم لا صلبا ولا غير مصلوب ، بل شبه لهم أمره فأخذوا غير المسيح (عليه السلام) مكان المسيح فقتلوه أو صلبوه ، وليس من البعيد عادة ، فإن القتل في أمثال تلك الاجتماعات الهمجية والهجمة والغوغاء ربما أخطأ المجرم الحقيقي إلى غيره وقد قتله الجنديون من الروميين ، وليس لهم معرفة بحاله على نحو الكمال فمن الممكن أن يأخذوا مكانه غيره ، ومع ذلك فقد وردت روايات أن الله تعالى ألقى شبهه على غيره فأخذ وقتل مكانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت