فهرس الكتاب

الصفحة 968 من 4314

و ربما ذكر بعض محققي التاريخ أن القصص التاريخية المضبوطة فيه (عليه السلام) والحوادث المربوطة بدعوته وقصص معاصريه من الحكام والدعاة تنطبق على رجلين اثنين مسميين بالمسيح - وبينهما ما يزيد على خمسمائة سنة -: المتقدم منهما محق غير مقتول ، والمتأخر منهما مبطل مصلوب ، وعلى هذا فما يذكره القرآن من التشبيه هو تشبيه المسيح عيسى بن مريم رسول الله بالمسيح المصلوب.

والله أعلم.

وقوله"و إن الذين اختلفوا فيه"أي اختلفوا في عيسى أو في قتله"لفي شك منه"أي في جهل بالنسبة إلى أمره"ما لهم به من علم إلا اتباع الظن"وهو التخمين أو رجحان ما بحسب ما أخذه بعضهم من أفواه بعض.

وقوله"و ما قتلوه يقينا"أي ما قتلوه قتل يقين أو ما قتلوه أخبرك خبر يقين ، وربما قيل: إن الضمير في قوله"و ما قتلوه"راجع إلى العلم أي ما قتلوا العلم يقينا.

وقتل العلم لغة تمحيضه وتخليصه من الشك والريب ، وربما قيل: إن الضمير يعود إلى الظن أي ما محضوا ظنهم وما تثبتوا فيه ، وهذا المعنى على تقدير ثبوته معنى غريب لا يحمل عليه لفظ القرآن.

قوله تعالى:"بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما"وقد قص الله سبحانه هذه القصة في سورة آل عمران فقال:"إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى": آل عمران: 55 فذكر التوفي ثم الرفع.

وهذه الآية بحسب السياق تنفي وقوع ما ادعوه من القتل والصلب عليه فقد سلم من قتلهم وصلبهم ، وظاهر الآية أيضا أن الذي ادعي إصابة القتل والصلب إياه ، وهو عيسى (عليه السلام) بشخصه البدني هو الذي رفعه الله إليه ، وحفظه من كيدهم فقد رفع عيسى بجسمه وروحه لا أنه توفي ثم رفع روحه إليه تعالى فهذا مما لا يحتمله ظاهر الآية بمقتضى السياق فإن الإضراب الواقع في قوله"بل رفعه الله إليه"لا يتم بمجرد رفع الروح بعد الموت الذي يصح أن يجامع القتل والموت حتف الأنف.

فهذا الرفع نوع التخليص الذي خلصه الله به وأنجاه من أيديهم سواء كان توفي عند ذلك بالموت حتف الأنف أو لم يتوف حتف الأنف ولا قتلا وصلبا بل بنحو آخر لا نعرفه أو كان حيا باقيا بإبقاء الله بنحو لا نعرفه فكل ذلك محتمل.

وليس من المستحيل أن يتوفى الله المسيح ويرفعه إليه ويحفظه ، أو يحفظ الله حياته على نحو لا ينطبق على العادة الجارية عندنا فليس يقصر عن ذلك سائر ما يقتصه القرآن الكريم من معجزات عيسى نفسه في ولادته وحياته بين قومه ، وما يحكيه من معجزات إبراهيم وموسى وصالح وغيرهم ، فكل ذلك يجري مجرى واحدا يدل الكتاب العزيز على ثبوتها دلالة لا مدفع لها إلا ما تكلفه بعض الناس من التأويل تحذرا من لزوم خرق العادة وتعطل قانون العلية العام ، وقد مر في الجزء الأول من هذا الكتاب استيفاء البحث عن الإعجاز وخرق العادة.

وبعد ذلك كله فالآية التالية لا تخلو عن إشعار أو دلالة على حياته (عليه السلام) وعدم توفيه بعد.

قوله تعالى:"و إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا"."إن"نافية والمبتدأ محذوف يدل عليه الكلام في سياق النفي ، والتقدير: وإن أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ، والضمير في قوله"به"وقوله"يكون"راجع إلى عيسى ، وأما الضمير في قوله"قبل موته"ففيه خلاف.

فقد قال بعضهم: إن الضمير راجع إلى المقدر من المبتدأ وهو أحد ، والمعنى: وكل واحد من أهل الكتاب يؤمن قبل موته بعيسى أي يظهر له قبيل الموت عند الاحتضار أن عيسى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعبده حقا وإن كان هذا الإيمان منه إيمانا لا ينتفع به ، ويكون عيسى شهيدا عليهم جميعا يوم القيامة سواء آمنوا به إيمانا ينتفع به أو إيمانا لا ينتفع به كمن آمن به عند موته.

ويؤيده أن إرجاع ضمير"قبل موته"إلى عيسى يعود إلى ما ورد في بعض الأخبار أن عيسى حي لم يمت ، وأنه ينزل في آخر الزمان فيؤمن به أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وهذا يوجب تخصيص عموم قوله"و إن من أهل الكتاب"من غير مخصص ، فإن مقتضى الآية على هذا التقدير أن يكون يؤمن بعيسى عند ذلك النزول من السماء الموجودون من أهل الكتاب دون المجموع منهم ، ممن وقع بين رفع عيسى ونزوله فمات ولم يدرك زمان نزوله ، فهذا تخصيص لعموم الآية من غير مخصص ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت