قال في المجمع: اختلف في نصب المقيمين فذهب سيبويه والبصريون إلى أنه نصب على المدح على تقدير أعني المقيمين الصلاة ، قالوا: إذا قلت ، مررت بزيد الكريم وأنت تريد أن تعرف زيدا الكريم من زيد غير الكريم فالوجه الجر ، وإذا أردت المدح والثناء فإن شئت نصبت وقلت: مررت بزيد الكريم كأنك قلت: أذكر الكريم ، وإن شئت رفعت فقلت: الكريم ، على تقدير هو الكريم.
وقال الكسائي ، موضع المقيمين جر ، وهو معطوف"على"ما من قوله"بما أنزل إليك"أي وبالمقيمين الصلاة.
وقال قوم: إنه معطوف على الهاء والميم من قوله"منهم"على معنى: لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة ، وقال آخرون: إنه معطوف على الكاف من"قبلك"أي مما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين الصلاة.
وقيل: إنه معطوف على الكاف في"إليك"أو الكاف في قبلك.
وهذه الأقوال الأخيرة لا تجوز عند البصريين لأنه لا يعطف بالظاهر على الضمير المجرور من غير إعادة الجار.
قال: وأما ما روي عن عروة عن عائشة قال: سألتها عن قوله"و المقيمين الصلاة"وعن قوله"و الصابئين"وعن قوله"إن هذان"فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتاب أخطئوا في الكتاب ، وما روي عن بعضهم: أن في كتاب الله أشياء ستصلحها العرب بألسنتها ، قالوا: وفي مصحف ابن مسعود:"و المقيمون الصلاة"فمما لا يلتفت إليه لأنه لو كان كذلك لم يكن ليعلمه الصحابة الناس على الغلط وهم القدوة والذين أخذوه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انتهى.
وبالجملة قوله"لكن الراسخون في العلم"استثناء من أهل الكتاب من حيث لازم سؤالهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينزل عليهم كتابا من السماء كما تقدم أن لازم سؤالهم ذلك أن لا يكفي ما جاءهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الكتاب والحكمة المصدقين لما أنزل من قبله من آيات الله على أنبيائه ورسله ، في دعوتهم إلى الحق وإثباته ، مع أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأتهم إلا مثل ما أتاهم به من قبله من الأنبياء ، ولم يعش فيهم ولم يعاشرهم إلا بما عاشوا به وعاشروا به كما قال تعالى"قل ما كنت بدعا من الرسل": الأحقاف: 9 وقال تعالى:"و ما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين - إلى أن قال - لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أ فلا تعقلون": الأنبياء: 10.
فذكر الله سبحانه في فصل من القول: أن هؤلاء السائلين وهم أهل الكتاب ليست عندهم سجية اتباع الحق ولا ثبات ولا عزم ولا رأي ، وكم من آية بينة ظلموها ، ودعوة حق صدوا عنها ، إلا أن الراسخين في العلم منهم لما كان عندهم ثبات على علمهم وما وضح من الحق لديهم ، وكذا المؤمنون حقيقة منهم لما كان عندهم سجية اتباع الحق يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك لما وجدوا أن الذي نزل إليك من الوحي يماثل ما نزل من قبلك على سائر النبيين: نوح ومن بعده.
ومن هنا يظهر أولا وجه توصيف من اتبع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل الكتاب بالراسخين في العلم والمؤمنين ، فإن الآيات السابقة تقص عنهم أنهم غير راسخين فيما علموا غير مستقرين على شيء من الحق وإن استوثق منهم بأغلظ المواثيق ، وأنهم غير مؤمنين بآيات الله صادون عنها وإن جاءتهم البينات ، فهؤلاء الذين استثناهم الله راسخون في العلم أو مؤمنون حقيقة.
وثانيا وجه ذكر ما أنزل قبلا مع القرآن في قوله"يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك لأن المقام مقام نفي الفرق بين القبيلين."
وثالثا أن قوله في الآية التالية:"إنا أوحينا إليك كما أوحينا"إلخ في مقام التعليل لإيمان هؤلاء المستثنين.
قوله تعالى:"إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده"في مقام التعليل لقوله"يؤمنون بما أنزل إليك"كما عرفت آنفا.