و محصل المعنى - والله أعلم - أنهم آمنوا بما أنزل إليك لأنا لم نؤتك أمرا مبتدعا يختص من الدعاوي والجهات بما لا يوجد عند غيرك من الأنبياء السابقين ، بل الأمر على نهج واحد لا اختلاف فيه ، فإنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ، ونوح أول نبي جاء بكتاب وشريعة ، وكما أوحينا إلى إبراهيم ومن بعده من آله ، وهم يعرفونهم ويعرفون كيفية بعثتهم ودعوتهم ، فمنهم من أوتي بكتاب كداود أوتي زبورا وهو وحي نبوي ، وموسى أوتي التكليم وهو وحي نبوي ، وغيرهما كإسماعيل وإسحاق ويعقوب أرسلوا بغير كتاب ، وذلك أيضا عن وحي نبوي.
ويجمع الجميع أنهم رسل مبشرون بثواب الله منذرون بعذابه ، أرسلهم الله لإتمام الحجة على الناس ببيان ما ينفعهم وما يضرهم في أخراهم ودنياهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
قوله تعالى:"و الأسباط"تقدم في قوله تعالى:"و يعقوب والأسباط": آل عمران: 84 أنهم أنبياء من ذرية يعقوب أو من أسباط بني إسرائيل.
قوله تعالى:"و ءاتينا داود زبورا"قيل إنه بمعنى المكتوب من قولهم: زبره أي كتبه فالزبور بمعنى المزبور.
قوله تعالى:"رسلا مبشرين ومنذرين"أحوال ثلاثة أو الأول حال والأخيران وصفان له.
وقد تقدم استيفاء البحث عن معنى إرسال الرسل وتمام الحجة من الله على الناس ، وأن العقل لا يغني وحده عن بعثة الأنبياء بالشرائع الإلهية في الكلام على قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة": سورة البقرة: 213 في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
قوله تعالى:"و كان الله عزيزا حكيما"وإذا كانت له العزة المطلقة والحكمة المطلقة استحال أن يغلبه أحد بحجة بل له الحجة البالغة ، قال تعالى:"قل فلله الحجة البالغة": الأنعام: 149.
قوله تعالى:"لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون"، استدراك آخر في معنى الاستثناء المنقطع من الرد المتعلق بسؤالهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تنزيل كتاب إليهم من السماء ، فإن الذي ذكر الله تعالى في رد سؤالهم بقوله"فقد سألوا موسى أكبر من ذلك"إلى آخر الآيات لازم معناه أن سؤالهم مردود إليهم ، لأن ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بوحي من ربه لا يغاير نوعا ما جاء به سائر النبيين من الوحي ، فمن ادعى أنه مؤمن بما جاءوا به فعليه أن يؤمن بما جاء به من غير فرق.
ثم استدرك عنه بأن الله مع ذلك يشهد بما أنزل على نبيه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا.
ومتن شهادته قوله"أنزله بعلمه"فإن مجرد النزول لا يكفي في المدعى ، لأن من أقسام النزول النزول بوحي من الشياطين ، بأن يفسد الشيطان أمر الهداية الإلهية فيضع سبيلا باطلا مكان سبيل الله الحق ، أو يخلط فيدخل شيئا من الباطل في الوحي الإلهي الحق فيختلط الأمر ، كما يشير إلى نفيه بقوله:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا": الجن: 28 وقال تعالى:"و إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم": الأنعام. 121.
وبالجملة فالشهادة على مجرد النزول أو الإنزال لا يخرج الدعوى عن حال الإبهام لكن تقييده بقوله"بعلمه"يوضح المراد كل الوضوح ، ويفيد أن الله سبحانه أنزله إلى رسوله وهو يعلم ما ذا ينزل ، ويحيط به ويحفظه من كيد الشياطين.
وإذا كانت الشهادة على الإنزال والإنزال إنما هو بواسطة الملائكة كما يدل عليه قوله تعالى:"من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك": البقرة: 97 وقال تعالى في وصف هذا الملك المكرم:"إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين": التكوير: 21 فدل على أن تحت أمره ملائكة أخرى وهم الذين ذكرهم إذ قال:"كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة": عبس: 16.
وبالجملة لكون الملائكة وسائط في الإنزال فهم أيضا شهداء كما أنه تعالى شهيد وكفى بالله شهيدا.