أقول: ظاهره وإن كان مخالفا لظاهر سياق الآيات المتعرضة لأمر عيسى (عليه السلام) لكن يمكن أن يراد به بيان جري القرآن ، بمعنى أنه بعد ما بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجاء بكتاب وشريعة ناسخة لشريعة عيسى كان على كل كتابي أن يؤمن به ويؤمن بعيسى ومن قبله في ضمن الإيمان به ، فلو انكشف لكتابي عند الاحتضار مثلا حقية رسالة عيسى بعد بعثة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنما ينكشف في ضمن انكشاف حقية رسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإيمان كل كتابي لعيسى (عليه السلام) إنما يعد إيمانا إذا آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أصالة وبعيسى (عليه السلام) تبعا ، فالذي يؤمن به كل كتابي حقيقة ويكون عليهم يوم القيامة شهيدا هو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد بعثته ، وإن كان عيسى (عليه السلام) كذلك أيضا فلا منافاة ، والخبر التالي لا يخلو من ظهور ما في هذا المعنى.
وفيه ، عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قول الله في عيسى:"و إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به - قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا"فقال: إيمان أهل الكتاب إنما هو لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) . وفيه ، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قوله"و إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به - قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا"قال: ليس من أحد من جميع الأديان يموت إلا رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) حقا من الأولين والآخرين.
أقول: وكون الرواية من الجري أظهر.
على أن الرواية غير صريحة في كون ما ذكره (عليه السلام) ناظرا إلى تفسير الآية وتطبيقها ، فمن المحتمل أن يكون كلاما أورد في ذيل الكلام على الآية ولذلك نظائر في الروايات.
وفيه ، عن المفضل بن عمر قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله:"و إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ، فقال: هذه نزلت فينا خاصة ، إنه ليس رجل من ولد فاطمة يموت ولا يخرج من الدنيا حتى يقر للإمام وبإمامته ، كما أقر ولد يعقوب ليوسف حين قالوا:"تالله لقد آثرك الله علينا"."
أقول: الرواية من الآحاد ، وهي مرسلة ، وفي معناها روايات مروية في ذيل قوله تعالى:"ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير": فاطر: 32 سنستوفي الكلام فيها إن شاء الله تعالى.
وفيه ،: في قوله تعالى:"إنا أوحينا إليك - كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده"الآية: عن زرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) قال: إني أوحيت إليك كما أوحيت إلى نوح والنبيين من بعده فجمع له كل وحي.
أقول: الظاهر أن المراد أنه لم يشذ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من سنخ الوحي ما يوجب تفرق السبيل وتفاوت الدعوة ، لا أن كل ما أوحي به إلى نبي على خصوصياته فقد أوحي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهذا مما لا معنى له ، ولا أن ما أوحي إليك جامع لجميع الشرائع السابقة ، فإن الكلام في الآية غير موضوع لإفادة هذا المعنى ، ويؤيد ما ذكرناه من المعنى الخبر التالي.
وفي الكافي ، بإسناده عن محمد بن سالم عن أبي جعفر (عليه السلام) : قال الله لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) :"إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده"، وأمر كل نبي بالسبيل والسنة. وفي تفسير العياشي ، عن الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وكان بين آدم وبين نوح من الأنبياء مستخفين ومستعلنين ، ولذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم يسموا كما سمي من استعلن من الأنبياء ، وهو قول الله عز وجل:"و رسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما"يعني لم أسم المستخفين كما سميت المستعلنين من الأنبياء. أقول: ورواه في الكافي ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الحسن بن محبوب ، عن محمد بن الفضيل ، عن أبي حمزة عنه (عليه السلام) ، وفيه: من الأنبياء مستخفين ، ولذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم يسموا كما سمي من استعلن من الأنبياء ، وهو قول الله عز وجل."رسلا قد قصصناهم عليك"من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك يعني لم أسم المستخفين كما سميت المستعلنين من الأنبياء الحديث.