فهرس الكتاب

الصفحة 979 من 4314

قوله تعالى:"لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون"احتجاج آخر على نفي ألوهية المسيح (عليه السلام) مطلقا سواء فرض كونه ولدا أو أنه ثالث ثلاثة ، فإن المسيح عبد لله لن يستنكف أبدا عن عبادته ، وهذا مما لا ينكره النصارى ، والأناجيل الدائرة عندهم صريحة في أنه كان يعبد الله تعالى ، ولا معنى لعبادة الولد الذي هو سنخ إله ولا لعبادة الشيء لنفسه ولا لعبادة أحد الثلاثة لثالثها الذي ينطبق وجوده على كل منها ، وقد تقدم الكلام على هذا البرهان في مباحث المسيح (عليه السلام) .

وقوله"و لا الملائكة المقربون"تعميم للكلام على الملائكة لجريان الحجة بعينها فيهم وقد قال جماعة من المشركين - كمشركي العرب -: بكونهم بنات الله فالجملة استطرادية.

والتعبير في الآية أعني قوله"لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون"عن عيسى (عليه السلام) بالمسيح ، وكذا توصيف الملائكة بالمقربين مشعر بالعلية لما فيهما من معنى الوصف ، أي إن عيسى لن يستنكف عن عبادته وكيف يستنكف وهو مسيح مبارك؟ ولا الملائكة وهم مقربون؟ ولو رجي فيهم أن يستنكفوا لم يبارك الله في هذا ولا قرب هؤلاء ، وقد وصف الله المسيح أيضا بأنه مقرب في قوله:"وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين": آل عمران: 45.

قوله تعالى:"و من يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا"حال.

من المسيح والملائكة وهو في موضع التعليل أي وكيف يستنكف المسيح والملائكة المقربون عن عبادته والحال أن الذين يستنكفون عن عبادته ويستكبرون من عباده من الإنس والجن والملائكة يحشرون إليه جميعا ، فيجزون حسب أعمالهم ، والمسيح والملائكة يعلمون ذلك ويؤمنون به ويتقونه.

ومن الدليل على أن قوله:"و من يستنكف عن عبادته ويستكبر"إلخ في معنى أن المسيح والملائكة المقربين عالمون بأن المستنكفين يحشرون إليه قوله"و يستكبر"إنما قيد به قوله"و من يستنكف"لأن مجرد الاستنكاف لا يوجب السخط الإلهي إذا لم يكن عن استكبار كما في الجهلاء والمستضعفين ، وأما المسيح والملائكة فإن استنكافهم لا يكون إلا عن استكبار لكونهم عالمين بمقام ربهم ، ولذلك اكتفى بذكر الاستنكاف فحسب فيهم ، فيكون معنى تعليل هذا بقوله:"و من يستنكف عن عبادته ويستكبر"، أنهم عالمون بأن من يستنكف عن عبادته إلخ"."

وقوله"جميعا"أي صالحا وطالحا وهذا هو المصحح للتفضيل الذي يتلوه من قوله:"فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات"إلخ.

قوله تعالى:"و لا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا"التعرض لنفي الولي والنصير مقابلة لما قيل به من ألوهية المسيح والملائكة.

قوله تعالى:"يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا قال الراغب: البرهان بيان للحجة ، وهو فعلان مثل الرجحان والثنيان."

وقال بعضهم: هو مصدر بره يبره إذا ابيض.

انتهى ، فهو على أي حال مصدر.

وربما استعمل بمعنى الفاعل كما إذا أطلق على نفس الدليل والحجة.

والمراد بالنور هو القرآن لا محالة بقرينة قوله"و أنزلنا إليكم"ويمكن أن يراد بالبرهان أيضا ذلك ، والجملتان إذا تؤكد إحداهما الأخرى.

ويمكن أن يراد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويؤيده وقوع الآية في ذيل الآيات المبينة لصدق النبي في رسالته ، ونزول القرآن من عند الله تعالى ، وكون الآية تفريعا لذلك ويؤيده أيضا قوله تعالى في الآية التالية.

"و اعتصموا به"لما تقدم في الكلام على قوله"و من يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم": آل عمران. 101 إن المراد بالاعتصام الأخذ بكتاب الله والاتباع لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قوله تعالى:"فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به"، بيان لثواب من اتبع برهان ربه والنور النازل من عنده.

والآية كأنها منتزعة من الآية السابقة المبينة لثواب الذين آمنوا وعملوا الصالحات أعني قوله"فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله"، ولعله لذلك لم يذكر هاهنا جزاء المتخلف من تبعية البرهان والنور ، لأنه بعينه ما ذكر في الآية السابقة ، فلا حاجة إلى تكراره ثانيا بعد الإشعار بأن جزاء المتبعين هاهنا جزاء المتبعين هنالك ، وليس هناك إلا فريقان: المتبعون والمتخلفون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت