فهرس الكتاب

الصفحة 1039 من 4314

و لم يأمر الله تعالى عباده في كتابه ولا في آية واحدة أن يؤمنوا به أو بشيء مما هو من عنده أو يسلكوا سبيلا على العمياء وهم لا يشعرون ، حتى أنه علل الشرائع والأحكام التي جعلها لهم مما لا سبيل للعقل إلا تفاصيل ملاكاته بأمور تجري مجرى الاحتجاجات كقوله:"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر": العنكبوت: 45 وقوله:"كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون": البقرة: 138 ، وقوله في آية الوضوء:"ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون": المائدة: 6 إلى غير ذلك من الآيات.

وهذا الإدراك العقلي أعني طريق الفكر الصحيح الذي يحيل إليه القرآن الكريم ويبني على تصديقه ما يدعو إليه من حق أو خير أو نفع ، ويزجر عنه من باطل أو شر أو ضر أنما هو الذي نعرفه بالخلقة والفطرة مما يتغير ولا يتبدل ولا يتنازع فيه إنسان وإنسان ، ولا يختلف فيه اثنان ، وإن فرض فيه اختلاف أو تنازع فإنما هو من قبيل المشاجرة في البديهيات ينتهي إلى عدم تصور أحد المتشاجرين أو كليهما حق المعنى المتشاجر فيه لعدم التفاهم الصحيح.

وأما أن هذا الطريق الذي نعرفه بحسب فطرتنا الإنسانية ما هو؟ فلئن شككنا في شيء لسنا نشك أن هناك حقائق خارجية واقعية مستقلة منفكة عن أعمالنا كمسائل المبدأ والمعاد ، ومسائل أخرى رياضية أو طبيعية ونحو ما إذا أردنا أن نحصل عليها حصولا يقينيا استرحنا في ذلك إلى قضايا أولية بديهة غير قابلة للشك ، وأخرى تلزمها لزوما كذلك ، ونرتبها ترتيبا فكريا خاصا نستنتج منها ما نطلبه كقولنا: ا.

ب ، وكل ب.

ج ، ف أ.

ج ، وكقولنا: لو كان ا.

ب ف ج.

د ، ولو كان ج د ف ه.

ز ينتج: لو كان ا ب ، ف ه.

ز وكقولنا: إن كان ا.

ب فج.

د ولو كان ج.

د ، ف ه.

ز لكن ا.

ليس ب ، ينتج: ه ليس ز.

وهذه الأشكال التي ذكرناها والمواد الأولية التي أشرنا إليها أمور بديهية يمتنع أن يرتاب فيها إنسان ذو فطرة سليمة إلا عن آفة عقلية أو لاختلاط في الفهم مقتض لعدم تعقل هذه الأمور الضرورية بأخذ مفهوم تصوري أو تصديقي آخر مكان التصور أو التصديق البديهي ، كما هو الغالب فيمن يتشكك في البديهيات.

ونحن إذا راجعنا التشكيكات والشبه التي أوردت على هذا الطريق المنطقي المذكور وجدنا أنهم يعتمدون في استنتاج دعاويهم ومقاصدهم على مثل القوانين المدونة في المنطق الراجعة إلى الهيئة والمادة بحيث لو حللنا كلامهم إلى المقدمات الابتدائية المأخوذة فيه عاد إلى مواد وهيئات منطقية ، ولو غيرنا بعض تلك المقدمات أو الهيئات إلى ما يهتف المنطق بعدم إنتاجها عاد الكلام غير منتج ، ورأيتهم لا يرضون بذلك ، وهذا بعينه أوضح شاهد على أن هؤلاء معترفون بحسب فطرتهم الإنسانية بصحة هذه الأصول المنطقية مسلمون لها مستعملون إياها ، جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم.

1 -كقول بعض المتكلمين:"لو كان المنطق طريقا موصلا لم يقع الاختلاف بين أهل المنطق لكنا نجدهم مختلفين في آرائهم"فقد استعمل القياس الاستثنائي من حيث لا يشعر ، وقد غفل هذا القائل عن أن معنى كون المنطق آلة الاعتصام أن استعماله كما هو حقه يعصم الإنسان من الخطإ ، وأما أن كل مستعمل له فإنما يستعمله صحيحا فلا يدعيه أحد ، وهذا كما أن السيف آلة القطع لكن لا يقطع إلا عن استعمال صحيح.

2 -وقول بعضهم:"إن هذه القوانين دونت ثم كملت تدريجا فكيف يبتنى عليها ثبوت الحقائق الواقعية؟ وكيف يمكن إصابة الواقع لمن لم يعرفها أو لم يتسعملها؟ وهذا كسابقه قياس استثنائي ومن أردإ المغالطة."

وقد غلط القائل في معنى التدوين ، فإن معناه الكشف التفصيلي عن قواعد معلومة للإنسان بالفطرة إجمالا لا إن معنى التدوين هو الإيجاد.

3 -وقول بعضهم:"إن هذه الأصول إنما روجت بين الناس لسد باب أهل البيت أو لصرف الناس عن اتباع الكتاب والسنة فيجب على المسلمين اجتنابها"وهذا كلام منحل إلى أقيسة اقترانية واستثنائية.

ولم يتفطن المستدل به أن تسوية طريق لغرض فاسد أو سلوكه لغاية غير محمودة لا ينافي استقامته في نفسه كالسيف يقتل به المظلوم ، وكالدين يستعمل لغير مرضاة الله سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت