فهرس الكتاب

الصفحة 1099 من 4314

و الرواية الأولى أصدق متنا من هذه لأن مضمونها أوفق وأكثر انطباقا على سياق الآيات فإن أوائل الآيات وخاصة الآيتين الأوليين لا تنطبق سياقا على ما ذكر من قصة الدية بين بني النضير وبني قريظة كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام ، وليس من البعيد أن يكون الرواية من قبيل تطبيق القصة على القرآن على حد كثير من روايات أسباب النزول ، فكأن الراوي وجد القصة تنطبق على مثل قوله:"و كتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس"الآية وما قبلها ، ثم رأى اتصال الآيات بادئة من قوله:"يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر"الآية فأخذ جميع الآيات نازلة في هذه القصة ، وقد غفل عن قصة الرجم.

والله أعلم.

وفي تفسير العياشي ، عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء ، وفتح مسامع قلبه ، ووكل به ملكا يسدده ، وإذا أراد الله بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء ، وسد مسامع قلبه ووكل به شيطانا يضله. ثم تلا هذه الآية:"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام - ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا"الآية وقال:"إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون"وقال:"أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم".

وفي الكافي ، بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله قال: السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغي والرشوة في الحكم وأجر الكاهن.

أقول: ما ذكره في الرواية إنما هو تعداد من غير حصر ، وأقسام السحت كثيرة كما في الروايات ، وفي هذا المعنى وما يقرب منه روايات كثيرة من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .

وفي الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب: أنه سئل عن السحت فقال: الرشا. فقيل له: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر.

أقول: قوله:"ذاك الكفر"كأنه إشارة إلى ما وقع بين الآيات المبحوث عنها من قوله تعالى في سياق ذم السحت والارتشاء في الحكم:"و لا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"وقد تكرر في الروايات عن الباقر والصادق (عليهما السلام) أنهما قالا: وأما الرشا في الحكم فإن ذلك الكفر بالله وبرسوله ، والروايات في تفسير السحت وحرمته كثيرة مروية من طرق الشيعة وأهل السنة مودعة في جوامعهم.

وفي الدر المنثور ،: في قوله تعالى:"فإن جاءوك فاحكم بينهم"الآية: أخرج ابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: آيتان نسختا من هذه السورة يعني من المائدة: آية القلائد وقوله:"فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مخيرا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم ، فنزلت:"و أن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم"قال: فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحكم بينهم بما في كتابنا.

وفيه ، أخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس: في قوله:"فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"قال: نسختها هذه الآية وأن احكم بينهم بما أنزل الله": أقول: وروي أيضا عن عبد الرزاق عن عكرمة مثله ، والمتحصل من مضمون الآيات لا يوافق هذا النسخ فإن الاتصال الظاهر من سياق الآيات يقضي بنزولها دفعه واحدة ولا معنى حينئذ لنسخ بعضها بعضا ، على أن قوله تعالى:"و أن احكم بينهم بما أنزل الله"، آية غير مستقلة في معناها بل مرتبطة بما تقدمها ولا وجه على هذا لكونها ناسخة ، ولو صح النسخ مع ذلك كان ما قبلها أعني قوله:"فاحكم بينهم بما أنزل الله"، في الآية السابقة أحق بالنسخ منها."

على أنك قد عرفت أن الأظهر رجوع الضمير في قوله تعالى:"بينهم"إلى الناس مطلقا دون أهل الكتاب أو اليهود خاصة ، على أنه قد تقدم في أوائل الكلام على السورة: أن سورة المائدة ناسخة غير منسوخة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت