و في تفسير العياشي ،: في قوله تعالى:"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور": الآية عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) : أن مما استحقت به الإمامة: التطهير والطهارة من الذنوب والمعاصي الموبقة التي توجب النار ثم العلم المنور وفي نسخة: المكنون بجميع ما يحتاج إليه الأمة من حلالها وحرامها ، والعلم بكتابها خاصه وعامه ، والمحكم والمتشابه ودقائق علمه ، وغرائب تأويله ، وناسخه ومنسوخه. قلت: وما الحجة بأن الإمام لا يكون إلا عالما بهذه الأشياء التي ذكرت؟ قال: قول الله فيمن أذن الله لهم في الحكومة وجعلهم أهلها:"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور - يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار"فهذه الأئمة دون الأنبياء الذين يربون الناس بعلمهم ، وأما الأحبار فهم العلماء دون الربانيين ، ثم أخبر فقال:"بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء"ولم يقل بما حملوا منه.
أقول: وهذا استدلال لطيف منه (عليه السلام) يظهر به عجيب معنى الآية وهو معنى أدق مما تقدم بيانه ومحصله: أن الترتيب الذي اتخذته الآية في العد فذكرت الأنبياء ثم الربانيين ثم الأحبار يدل على ترتبهم بحسب الفضل والكمال: فالربانيون دون الأنبياء وفوق الأحبار ، والأحبار هم علماء الدين الذين حملوا علمه بالتعليم والتعلم.
وقد أخبر الله سبحانه عن نحو علم الربانيين بقوله:"بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء"ولو كان المراد بذلك نحو علم العلماء لقيل: بما حملوا كما قال:"مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها": الآية الجمعة: 5. فإن الاستحفاظ هو سؤال الحفظ ، ومعناه التكليف بالحفظ نظير قوله:"ليسأل الصادقين عن صدقهم": الأحزاب: 8 أي ليكلفهم بأن يظهروا ما كمن في نفوسهم من صفة الصدق ، وهذا الحفظ ثم الشهادة على الكتاب لا يتمان إلا مع عصمة ليست من شأن غير الإمام المعصوم من قبل الله سبحانه فإن الله سبحانه بنى إذنه لهم في الحكم على حفظهم للكتاب ، واعتبر شهادتهم بانيا ذلك عليه ، ومن المحال أن يعتبر شهادتهم على الكتاب ، وهي التي يثبت بها الكتاب مع جواز الخطإ والغلط عليهم.
فهذا الحفظ والشهادة غير الحفظ والشهادة اللذين بيننا معاشر الناس ، بل من قبيل حفظ الأعمال والشهادة التي تقدم في قوله تعالى:"لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا": البقرة: 134 وقد مر في الجزء الأول من الكتاب.
ونسبة هذا الحفظ والشهادة إلى الجميع مع كون القائم بهما البعض كنسبة الشهادة على الأعمال إلى جميع الأمة مع كون القائم بها بعضهم ، وهو استعمال شائع في القرآن نظير قوله تعالى:"و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة": الجاثية: 16.
وهذا لا ينافي تكليف الأحبار بالحفظ والشهادة وأخذ الميثاق منهم بذلك لأنه ثبوت شرعي اعتباري غير الثبوت الحقيقي الذي يتوقف على حفظ حقيقي خال عن الغلط والخطإ ، والدين الإلهي كما لا يتم من دون هذا لا يتم من دون ذاك.
فثبت أن هناك منزلة بين منزلتي الأنبياء والأحبار ، وهي منزلة الأئمة وقد أخبر به الله سبحانه في قوله:"و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون": السجدة: 24 ولا ينافيه قوله:"و وهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا": الأنبياء: 73 فإن اجتماع النبوة والإمامة في جماعة لا ينافي افتراقهما في غيرهم ، وقد تقدم شطر من الكلام في الإمامة في قوله تعالى:"و إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات"الآية: البقرة: 142 في الجزء الأول من الكتاب.
وبالجملة للربانيين والأئمة وهم البرازخ بين الأنبياء والأحبار العلم بحق الكتاب والشهادة عليه بحق الشهادة.
وهذا في الربانيين والأئمة من بني إسرائيل لكن الآية تدل على أن ذلك لكون التوراة كتابا منزلا من عند الله سبحانه مشتملا على هدى ونور أي المعارف الاعتقادية والعملية التي تحتاج إليها الأمة ، وإذا كان ذلك هو المستدعي لهذا الاستحفاظ والشهادة للذين لا يقوم بهما إلا الربانيون والأئمة كان هذا حال كل كتاب منزل من عند الله مشتمل على معارف إلهية وأحكام عملية وبذلك يثبت المطلوب.