15 -وفيه ،: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) أسخى الناس لا يثبت عنده دينار ولا درهم ، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه وفجأ الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه ، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعير ، ويضع سائر ذلك في سبيل الله. لا يسأل شيئا إلا أعطاه ثم يعود إلى قوت عامه فيؤثر منه حتى إنه ربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء ، قال: وينفذ الحق وإن عاد ذلك عليه بالضرر أو على أصحابه ، قال: ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس ، قال: لا يهوله شيء من أمور الدنيا. قال: ويجالس الفقراء ، ويؤاكل المساكين ، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم ، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم ، يصل ذوي رحمة من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم ، لا يجفو على أحد ، يقبل معذرة المعتذر إليه. قال: وكان له عبيد وإماء من غير أن يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس ، لا يمضي له وقت من غير عمل لله تعالى أو لما لا بد منه من صلاح نفسه ، يخرج إلى بساتين أصحابه لا يحتقر مسكينا لفقره أو زمانته ، ولا يهاب ملكا لملكه ، يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستويا.
16 -وفيه ، قال: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) أبعد الناس غضبا وأسرعهم رضى ، وكان أرأف الناس بالناس ، وخير الناس للناس ، وأنفع الناس للناس.
17 -وفيه ، قال: وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا سر ورضي فهو أحسن الناس رضى ، فإن وعظ وعظ بجد ، وإن غضب ولا يغضب إلا لله لم يقم لغضبه شيء ، وكذلك كان في أموره كلها ، وكان إذا نزل به الأمر فوض الأمر إلى الله ، وتبرأ من الحول والقوة ، واستنزل الهدى.
أقول: والتوكل على الله وتفويض الأمور إليه والتبري من الحول والقوة واستنزال الهدى من الله يرجع بعضها إلى بعض وينشأ الجميع من أصل واحد ، وهو أن للأمور استنادا إلى الإرادة الإلهية الغالبة غير المغلوبة والقدرة القاهرة غير المتناهية ، وقد أطبق على الندب إلى ذلك الكتاب والسنة كقوله تعالى:"و على الله فليتوكل المتوكلون":"إبراهيم: 12"وقوله:"و أفوض أمري إلى الله":"المؤمن: 44"وقوله:"و من يتوكل على الله فهو حسبه":"الطلاق: 3"وقوله:"ألا له الخلق والأمر":"الأعراف: 54"وقوله:"و أن إلى ربك المنتهى":"النجم: 42"إلى غير ذلك من الآيات ، والروايات في هذه المعاني فوق حد الإحصاء.
والتخلق بهذه الأخلاق والتأدب بهذه الآداب على أنه يجري بالإنسان مجرى الحقائق ويطبق عمله على ما ينبغي أن ينطبق عليه من الواقع ويقره على دين الفطرة فإن حقيقة الأمر هو رجوع الأمور بحسب الحقيقة إلى الله سبحانه كما قال:"ألا إلى الله تصير الأمور":"الشورى: 53"، له فائدة قيمة هي أن اتكاء الإنسان واعتماده على ربه - وهو يعرفه بقدرة غير متناهية وإرادة قاهرة غير مغلوبة - يمد إرادته ويشيد أركان عزيمته فلا ينثلم عن كل مانع يبدو له ، ولا تنفسح عن كل تعب أو عناء يستقبله ، ولا يزيلها كل تسويل نفساني ووسوسة شيطانية تظهر لسره في صورة الخطورات الوهمية.
من سننه وأدبه في العشرة
18 -وفي إرشاد الديلمي ، قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يرقع ثوبه ، ويخصف نعله ، ويحلب شاته ، ويأكل مع العبد ويجلس على الأرض ، ويركب الحمار ويردف ، ولا يمنعه الحياء أن يحمل حاجته من السوق إلى أهله ، ويصافح الغني والفقير ، ولا ينزع يده من يد أحد حتى ينزعها هو ، ويسلم على من استقبله من غني وفقير وكبير وصغير ، ولا يحقر ما دعي إليه ولو إلى حشف التمر. وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) خفيف المئونة ، كريم الطبيعة ، جميل المعاشرة ، طلق الوجه ، بساما من غير ضحك ، محزونا من غير عبوس ، متواضعا من غير مذلة ، جوادا من غير سرف رقيق القلب ، رحيما بكل مسلم ، ولم يتجش من شبع قط ، ولم يمد يده إلى طمع قط.
19 -وفي مكارم الأخلاق ، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنه كان ينظر في المرآة ويرجل جمته ويتمشط ، وربما نظر في الماء وسوى جمته فيه ، ولقد كان يتجمل لأصحابه فضلا على تجمله لأهله ، وقال: (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الله يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيأ لهم ويتجمل.