فهرس الكتاب

الصفحة 1312 من 4314

كانت الاستعباد مبنيا على نوع من الغلبة والسيطرة كغلبة الحرب التي تنتج للغالب الفاتح أن يفعل بخصمه المغلوب ما يشاء من قتل أو سبي أو غيره ، وغلبة الرئاسة التي تصير الرئيس الجبار فعالا لما يشاء في حوزة رئاسته ، واختصاص التوليد والإنتاج الذي يضع ولاية أمر المولود الضعيف في كف والده القوي يصنع به ما بدا له حتى البيع والهبة والتبديل والإعارة ونحو ذلك.

وقد تكرر في أبحاثنا السابقة: أن أصل الملك في المجتمع الإنساني مبني على القدرة المغروزة في الإنسان على الانتفاع من كل شيء يمكنه أن ينتفع به بوجه - والإنسان مستخدم بالطبع - فالإنسان يستخدم في سبيل إبقاء حياته كل ما قدر عليه واستخدامه والانتفاع بمنافع وجوده آخذا من المادة الأصلية فالعناصر فالمركبات الجمادية المتنوعة فالحيوان حتى الإنسان الذي هو مثله في الإنسانية.

غير أن حاجته المبرمة إلى الاجتماع والتعاون اضطره إلى قبول الاشتراك مع سائر أفراد نوعه في الانتفاع بالمنافع المحصلة من الأشياء بأعمالهم المشتركة فهو وسائر الأفراد من نوعه يكونون لذلك مجتمعا يختص كل جزء من أجزائه وكل طرف من أطرافه بعمل أو أعمال ثم ينتفع المجموع بالمجموع ، وإن شئت فقل: ثم تقسم نتائج الأعمال بينهم فيتمتع كل واحد منهم بذلك على مقدار زنته الاجتماعية ، ولذلك نرى أن الفرد من الإنسان وهو اجتماعي كلما قوي واشتد أبطل المدنية الطبعية وأخذ يستخدم الناس بالغلبة ، ويتملك رقابهم ، ويحكم في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم بما يقترحه.

ولأجل ذلك إذا تأملت تأملا حرا في سنتهم في استعباد الإنسان وجدت أنهم لا يعتبرون تملك الإنسان ما دام داخلا في المجتمع وجزء من أجزائه بل إما أن يكون الإنسان المملوك محكوما بالخروج عن المجتمع كالعدو المحارب الذي لا هم له إلا أن يهلك الحرث والنسل ويمحي الإنسان باسمه ورسمه فهو خارج عن مجتمع عدوه ، وله أن يهلكه بالإفناء ويتملك منه ما يشاء لأن الحرمة مرفوعة ، ومثله الأب بالنسبة إلى صغار أولاده والتابعين لنفسه فإنه يرى أنهم من توابعه في المجتمع من غير أن يكافئوه أو يماثلوه أو يوازنوه فله أن يتصرف فيهم حتى بالقتل والبيع وغيرهما.

وإما أن يكون الإنسان المالك ذا خصيصة تدعوه إلى أن يعتقد أنه فوق المجتمع من غير أن يعادلهم في وزن أو يشاركهم في نفع بل له نفوذ الحكم ، والتمتع بصفوة ما يختار ، والتصرف في نفوسهم حتى بالملك والاستعباد.

فقد تبين أن الأصل الأساسي الذي كان يبني عليه الإنسان سنة الاستعباد والاسترقاق هو حق الاختصاص والتملك المطلق الذي يعتقده الإنسان لنفسه ، وأن الإنسان لا يستثني عنه أحدا إلا مشاركيه في مجتمعه الإنساني ممن يعادله في الزنة الاجتماعية ويتحصن منه في حصن التعاون والتعاضد ، وأما الباقون فلا مانع عنده من تملكهم واستعبادهم.

وعمدتهم في ذلك طوائف ثلاث: العدو المحارب ، والأولاد الضعفاء بالنسبة إلى آبائهم وكذا النساء بالنسبة إلى أوليائهن ، والمغلوب المستبذل بالنسبة إلى الغالب المتعزز.

3 -سير الاستعباد في التاريخ:

سنة الاستعباد وإن كانت مجهولة من حيث تاريخ شيوعها في المجتمع الإنساني غير أن الأشبه أن يكون أرقاء مأخوذين في أول الأمر بالقتال والتغلب ثم يلحق به الأولاد والنساء ، ولذلك نعثر في تاريخ الأمم القوية الحربية من القصص والحكايات وكذا القوانين والأحكام المربوطة بالاسترقاق بالسبي على ما لا يوجد في غيرهم.

وقد كان دائرا بين الأمم المتمدنة القديمة كالهند واليونان والرومان وإيران ، وبين المليين كاليهود والنصارى على ما يستفاد من التوراة والإنجيل حتى ظهر الإسلام فأنفذ أصله مع تضييق في دائرته وإصلاح لأحكامه المقررة ، ثم آل الأمر إلى أن قرر مؤتمر بروسل إلغاء الاستعباد قبل سبعين سنة تقريبا.

قال"فردينان توتل"في معجمه لأعلام الشرق والغرب: كان الرق شائعا عند الأقدمين ، وكان الرقيق يؤخذ من أسرى وسبايا الحرب ومن الشعوب المغلوبة ، كان للرق نظام معروف عند اليهود واليونان والرومان والعرب في الجاهلية والإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت