فهرس الكتاب

الصفحة 1315 من 4314

و هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعتق جاريته صفية بنت حي بن أخطب وتزوج بها ، وتزوج جويرية بنت الحارث بعد وقعة بني المصطلق وقد كانت بين سباياهم ، وكانوا مائتي بيت بالنساء والذراري ، وصار ذلك سببا لانعتاق الجميع ، وقد مر إجمال القصة في الجزء الرابع من الكتاب.

ومن الضروري من سيرة الإسلام أنه يقدم العبد المتقي على المولى الحر الفاسق ، وأنه يبيح للعبد أن يتملك المال ويتمتع بعامة مزايا الحياة بإذن من أهله هذا إجمال من صنيع الإسلام فيهم.

ثم أكد الوصية وندب أجمل الندب إلى تحرير رقبتهم ، وإخراجهم من ظرف الاستعباد إلى جو الحرية ولا يزال يقل بذلك عددهم ويتبدل جمعهم موالي وأحرارا لوجه الله ، ولم يقنع بذلك دون أن جعل تحرير الرقبة أحد خصال الكفارات مثل كفارة القتل وكفارة الإفطار ، وأجاز لهم الاشتراط والكتابة والتدبير ، كل ذلك عناية بهم وقصدا إلى تخليصهم وإلحاقا لهم بالمجتمع الإنساني الصالح إلحاقا تاما يقطع دابر الاستذلال.

7 -محصل البحث في الفصول السابقة:

تحصل مما مر أمور ثلاث: الأول: أن الإسلام لم يأل جهدا في إلغاء أسباب الاستعباد وتقليلها وتضعيفها حتى وقف على واحد منها لا محيص عن اعتباره بحكم الفطرة القاطع وهو جواز استعباد كل إنسان محارب للدين مضاد للمجتمع الإنساني غير خاضع للحق بوجه من وجوه الخضوع.

الثاني: أنه استعمل جميع الوسائل الممكنة في إكرامهم - العبيد والإماء - وتقريب شئونهم الحيوية من حياة أجزاء المجتمع الحرة حتى صاروا كأحدهم وإن لم يصيروا أحدهم ، ولم يبق عليهم إلا حجاب واحد رقيق ، وهو أن الزائد من أعمالهم على واجب حياتهم حياة متوسطة لمواليهم لا لهم ، وإن شئت فقل: لا فاصل في الحقيقة بين الحر والعبد في الإسلام إلا إذن المولى في العبد.

الثالث: أنه احتال بكل حيلة مؤثرة إلى إلحاق صنف المماليك إلى مجتمع الأحرار بالترغيب والتحريص في موارد ، وبالفرض والإيجاب في أخرى كالكفارات ، وبالتسويغ والإنفاذ في مثل الاشتراط والتدبير والكتابة.

8 -سير الاستعباد في التاريخ

ذكروا أن الاستعباد ظهر أول ما ظهر بالسبي والأسر ، وكانت القبائل قبل ذلك إذا غلبت في حروبها ومقاتلها وأخذت سبايا قتلتهم عن آخرهم ثم رأوا أن يتركوهم أحياء ويتملكوهم كسائر الغنائم الحربية لا لينتفعوا بأعمالهم بل إحسانا في حقهم وحفظا للنوع واحتراما للقوانين الأخلاقية التي ظهرت فيهم بالترقي في صراط المدنية شيئا بعد شيء.

وإنما ظهرت هذه السنة بين القبائل بعد ما ارتحلت عنهم طريقة الارتزاق لاصطياد إذ لم تكن لهم فيها من السعة ما يسوغ لهم الإنفاق على العبيد والإماء حتى انتقلوا إلى عيشة النزول والارتحال وتمكنوا من ذلك.

وبشيوع الاستعباد بين القبائل والأمم على أي وتيرة كانت تحولت حياة الإنسان الاجتماعية بظهور جهات من الانتظام والانضباط في المجتمعات أولا وتقسيم الأعمال ثانيا.

ولم يكن الاستعباد إذ كان دائرا في الدنيا على وتيرة واحدة في أقطار المعمورة فلم يستن في بعض المناطق أصلا كأوستراليا وآسيا المركزية وسيبريا وأميركا الشمالية وإسكيمو وبعض المناطق بإفريقيا بشمال النيل وجنوب رامبيز.

وبالعكس كان رائجا في جزيرة العرب وإفريقيا الوحشية وأوروبا وأميركا الجنوبية وكان دائرا بين اليهود ، وفي التوراة دعاء العبيد إلى طاعة مواليهم ، وكذا بين النصارى وفي كتاب بولس إلى فيلمن أن أفسيموس كان عبدا شاردا رده بولس إلى سيده.

وكانت اليهود أرفق الناس بعبيدهم ، ومن الشواهد على ذلك أنا لم نعثر لهم من شواهق الأبنية على ما يشبه الأهرام المعمولة بمصر والأبنية الآشورية التاريخية فإنها كانت من أعمال العبيد الشاقة ، وكانت الروم واليونان أكثر الأمم تشديدا على العبيد.

وقد ذاع في الروم الشرقي بعد قسطنطين فكر التحرير حتى لغا الرق فيها في القرن 13 الميلادي ، وبقي في الروم الغربي على شكل آخر وهو أنهم كانوا يبيعون ويشترون المزارع بزراعها - وكانت الزراعة من مشاغل العبيد - لكن لغت بينهم الأعمال الإجبارية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت